فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 249

جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )) [1] ، فالأمر الخطير عندهم الذي يشغل تفكيرهم هو ما عندهم من العلم الدنيوي وما عندهم من الدنيا.

ـ تداخل الهموم في اللحظة الواحدة:

ـ الإنسان قد ينشغل باله في اللحظة الواحدة بأكثر من شيء، فمثلا السائق الذي يقود سيارة ينشغل باله بالطريق لأنه لو غفل عن ذلك لوقعت حادثة، وفي نفس الوقت وأثناء قيادته للسيارة قد ينشغل باله بالحديث في الهاتف المحمول أو بالحديث مع راكب يجلس بجواره وقد يلتفت إليه مرات أثناء الحديث معه أو ينشغل باله بتناول طعام أو ينشغل باله بجمع الأجرة من الركاب وحسابات باقي الأجرة للركاب أو ينشغل باله طوال الطريق بسماع الكاسيت، إذن هناك هم دائم وهموم مؤقتة في نفس الوقت، فكذلك الإنسان المسافر إلى الآخرة باله منشغل بسفره إلى الآخرة لان الدنيا كلها ليست إلا مسألة سفر إلى الآخرة وجميع الناس مسافرون، ولكن أثناء السفر قد ينشغل باله بالطعام أو الشراب أو أعمال الدنيا المختلفة وقد ينشغل باله بالوقوع في معصية لكن همه الدائم هو مسألة سفره، فهذا هو حال المؤمن مهما انشغل باله بأمور الدنيا ومهما عمل من المعاصي فهمه الدائم الذي لا يفارق ذهنه هو سفره إلى الآخرة لا تغيب عن عينه.

ـ لكن قد يزداد انشغال همه بأعمال الدنيا وبالمعاصي حتى ينسى مسألة السفر ويوقف السيارة التي يسافر فيها ويعتبر نفسه مقيما وليس مسافرا، فهو بذلك اطمئن بالدنيا ورضي بها على أنها دار إقامته، هنا قد غاب همه بالسفر إلى الآخرة فهو بذلك نسي الآخرة ونسي السفر إليها: (( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا [يونس: 7] فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [السجدة: 14]

ـ وكلما زاد هم الإنسان بالدنيا وبالمعاصي كلما كان همه الدائم بالسفر إلى الآخرة ضعيف.

ـ الفرق بين الهم الأكبر والأصغر وبين الهم الدائم والهم المؤقت:

ـ في لحظة واحدة قد يكون همه الأكبر الدنيا وهمه الأصغر الآخرة ولكن همه بالدنيا هم مؤقت وهمه بالآخرة هم دائم.

ـ فالإنسان السجين همه الدائم هو متى يخرج من السجن، فهذا هو الهم الذي لا يمكن أن ينساه، لكن لا يكون ذلك همه الأكبر في كل لحظة، ففي وقت ما يكون همه الأكبر كيف يحصل على طعام وفي وقت آخر يكون همه الأكبر كيف يحصل على ملابس وفي وقت ثالث يكون همه الأكبر كيف يضيع وقته في تسلية وهكذا.

ـ والمؤمن همه بالآخرة دائم وهمه بالدنيا مؤقت، فهمه بالآخرة مطلوب منه في كل لحظة، وقد يكون هما أصغر في لحظات وقد يكون هما أكبر في لحظات أخرى.

ـ فالمؤمن همه الدائم الذي يسيطر على عقله وتفكيره هو كيف يصل إلى لقاء الله وكيف يكون حاله في الآخرة فهو يرتب حساباته للقاء الله، فهذا هو الهم الذي لا يمكن أن ينساه، لكن قد لا يكون ذلك همه الأكبر في كل لحظة، ففي وقت ما يكون همه كيف يحصل على طعام وفي وقت آخر يكون همه كيف يتعامل مع مشاغل الحياة وهمومها.

ـ فالمؤمن في الدنيا كالسجين المهموم بيوم خروجه، أما الذي تناسى أنه في سجن فهو لا عقل له، لذلك ففي الحديث: (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) ) [2] .

ـ لكن الإنسان الذي يكون همه الدائم هو كيف يحصل على المال أو المنصب أو الشهوات أو كيف ينتصر على مشاكل الحياة وينقطع همه عن الله والآخرة أو يكون همه بالله والآخرة مؤقتا، فهو بذلك ينسى الله والآخرة.

ـ الهدف (الهم) الأكبر والأهداف (الهموم) المؤقتة:

(1) غافر: 83

(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 562، برقم 2324)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت