فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 249

ـ الإنسان الذي يريد أن يسافر إلى مكان ما، فهذا هو هدفه، ولكن أثناء سيره إلى ذلك المكان يريد أمور أخرى فهو يريد أن ينزل في استراحة يستريح فيها ويصنع كوخا مؤقتا يستظل به إلى أن يقوم، ويريد أن يأكل ويشرب، ولكن كل هذه الأهداف مؤقتة وعابرة وبسيطة ولا ينشغل بها كثيرا فهدفه الأكبر هو أن يصل إلى حيث يريد،

فكذلك الهدف الأكبر الذي يسعى إليه الإنسان ويرجوه هو دخول الجنة والنجاة من النار، ولكن هناك أهداف أخرى دنيوية ولكنها عابرة ومؤقتة ولا ينشغل بها كثيرا، ففي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [1] .

ـ انشغال الهم بالله والآخرة:

ـ هل يوجد شيء أخطر من اقتراب الموت والسفر إلى الآخرة؟، فهذا الأمر لا يمكن أن يفارق ذهن إنسان عاقل أبدا.

ـ المؤمن عندما يعصي يكون تذكره لوجود الله ورؤية الله إليه ضعيف جدا ويكون انشغال باله بعظمة الله ضعيف جدا وكذلك يكون تذكره للآخرة والعقاب على الذنوب ضعيف جدا، والمؤمن قد يضعف تذكره لله ومراقبته له في أي وقت.

ـ الإنسان ينشغل همه بالشيء بقدر ما فيه من نفع أو ضرر عليه، فإذا كان فيه نفع كبير أو ضرر كبير عليه اهتم به فانشغل به همه بصورة كبيرة، وإذا كان ذلك الشيء لا نفع فيه ولا ضرر عليه فلا يهتم به ولا ينشغل به همه مطلقا وينساه.

ـ فعدم وجود انشغال الهم بالآخرة معناه أن هذا الأمر في نظر الإنسان غير مهم وأن الإنسان ينظر للآخرة على أنها لا تنفع ولا تضر رغم وجود اليقين النظري التام بالآخرة وخطورتها.

ـ المؤمن لابد أن يعيش وصورة الآخرة لا تفارق ذهنه وصورة الملكين يراقبانه لا تفارق ذهنه ونظر الله إليه لا يفارق ذهنه، فذهنه وهمه مشغول بذلك دائما في كل وقته وعمله، فهو يعيش كأن هناك كاميرات مراقبة موضوعة له في كل مكان، فصورة هذه الكاميرات وهي ترصده لا تفارق ذهنه في كل أعماله، فهو يعيش كأنه يرى الله وكأنه يرى الملكين وكأنه يرى الله ينظر إليه، وهو دائما متذكرا قدرة الله عليه ومدى عظمة صفاته ومدى ضعف الإنسان وضآلة الدنيا، ومتذكرا الآخرة ومتذكرا رقابة الله له، فلا ينسى ذلك ولا يفارق ذلك ذهنه.

ـ والمؤمن إذا كان انشغال همه بالدنيا أكبر من انشغال همه بالآخرة فذلك من ضعف يقينه بضآلة الدنيا وخطورة الآخرة.

ـ والمؤمن لا ينسى الله وقدرته وعظمته، وكيف ينسى الإنسان الله وهو يعيش في ملكه ويأكل من نعمه!، ومن ضمن انشغال هم الإنسان بقدرة الله وعظمته انشغاله بالآيات الدالة عليه فهو لا ينسى آيات الله، فهَمُّه ينشغل بآيات الله سواء الكونية أو آيات القرآن على أنها آيات تدل بصورة مباشره على الله وصفاته لأنها كلامه، فهو لا يعرض عن آيات الله ولا يتغافل عنها وإنما يفكر فيها وينشغل همه بها: (( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف: 105] ، فمثلا عندما يعلم أي إنسان عاقل أننا موجودون على كرة معلقة في الفضاء تجعلنا ندور حول نار هائلة(الشمس) ، فكيف لعاقل نسيان مثل هذا الأمر، إذن نسيان الأدلة هو نسيان للخالق، وكل شيء هو دليل على الله من وجود التراب والهواء والجبال والسماء، فإذا نسي الإنسان كل ما يدل على الله ولم يتذكر ولو آية واحدة فقد نسي الله تعالى.

ـ أكبر شيء يشغل هم الإنسان في أمور الدنيا هو المشاكل الدنيوية وما أكثرها، ولكن شعور الإنسان بضآلة الدنيا يؤدي إلى شعوره بضآلة قيمة المشاكل الدنيوية مهما كانت لأنها جميعا تفنى، فجميع آلام الدنيا ضئيلة لا قيمة لها، فهناك حالتان لكي يزول انشغال الهموم بالمشاكل الدنيوية هما إما أن تحل هذه المشاكل فلم تعد موجودة أو هي موجودة ولكن الإنسان يشعر أنها لا قيمة لها فلا ينشغل بها همه، فلا توجد مشاكل دنيوية خطيرة مهما كانت لأنها جميعا تافهة، والمشكلة الوحيدة هي الحصول على رضا الله والجنة، ومهما يترتب على المشاكل الدنيوية من ضرر في ماله أو عياله

(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت