أو عمله الذي يتكسب منه أو صحته أو ما هو واجب عليه من أمور الدنيا فكل ذلك لا يشغل همه لأنه غير مطالب إلا بما يستطيع فقط فلا يحمل هما إلا لتحقيق إيمانه والفوز بالجنة وإن اتهمه جميع الناس فلا يهمه لأنه يتعامل مع الله فقط والله يعلم الحقائق سبحانه، فالغضب والتعب النفسي لأمور الدنيا هو من ضعف الإيمان، وعدم انشغال المؤمن بهموم الدنيا معناه شعوره بالسعادة والارتياح (حلاوة الإيمان) .
ـ ونفس الأمر في انشغال الهموم بنعيم الدنيا والاستزادة منها، فالدنيا لا قيمة لها، ففي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أو بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ ) ) [1] .
ـ أخبرني فيما تفكر أخبرك من أنت، فإذا كنت لا تفكر إلا في أمور الدنيا ولا هم لك إلا الدنيا فأنت تعيش من أجل الدنيا وهي غايتك وهدفك بدليل انك منشغل بها، وإذا كان في همك ذكر لله والآخرة فأنت تعيش من أجل الله والآخرة والله غايتك وهدفك بدليل أن بالك منشغل بذكره، فالذي يفكر في الشهوات هو رجل شهواني والذي يفكر في الآخرة هو رجل أخروي، وهكذا.
ـ التفكير هو عملية مستمرة عند الإنسان لا تنقطع، فهذا معناه أن باله مشغول دائما بالتفكير في أمر ما، فإذا لم ينشغل بالآخرة انشغل بالدنيا وهكذا.
ـ عدم التفكير في أمر مهم وعدم انشغال التفكير والهموم به معناه تجاهل هذا الأمر والتغافل عنه وتناسيه والتغابي كأنه لا يعرفه وكأنه لم يسمع عنه وكأنه لم يعلم به، وهذه التعبيرات هي التي عبر عنها القرآن وهي: نسيان الله والآخرة والغفلة عن الآخرة والجهل بعظمة الله وغياب العقل.
ـ ما الشيء الذي يستحق أن تفكر فيه وينشغل به همك؟، هل الدنيا أم الآخرة؟، أيهما يستحق التفكير أكثر؟ العاقل يوجه تفكيره للشيء الخطير وينشغل تفكيره وهمه به، والذي لا ينشغل تفكيره وهمه بأمر خطير هو لا يعقل وهو يعطل عقله.
ـ حقيقة هدف الإنسان ليس ما هو مقتنع به نظريا من أنه يرجو الله والآخرة، ولكن حقيقة هدفه هو ما ينشغل به باله، فإذا كان تفكيره لا ينشغل إلا بالدنيا فهي هدفه ومراده وهي ما يرجوه، وإذا انشغل بقدرة الله عليه ووقوعه تحت سيطرته وعلمه وانشغل باله بمصيره المحتوم وكيف يكون حاله في الآخرة فالله والآخرة هو هدفه ومراده وهي ما يرجوه.
ـ الإنسان دائما يفكر، ولا يستطيع إن يبقى لحظة من غير تفكير، ولا يستطيع أن يبعد نفسه عن التفكير في أمر ما إلا بالتفكير في أمر غيره.
ـ لابد أن يتأثر الذهن فينشغل البال بالتفكير في الأمر أثناء وقوع الحدث أو الأمر المؤثر أو الخطر أو أثناء الإقدام عليه، فقوة الله ونظره إليك وقدرته عليك هي أمر مؤثر وخطير ومجيء الآخرة خطر هائل.
ـ فأي أمر خطير إما أن يكون قد انتهي في الماضي فينتهي التفكير فيه ولم يعد أمرا خطيرا، أو هو مستمر فيستمر التفكير فيه، أو هو سوف يحدث في المستقبل فيستمر التفكير فيه، وجود الله وقدرته وسلطانه على الإنسان هو أمر مستمر فيكون التفكير في ذلك مستمر، والآخرة ولقاء الله هي أمر مستقبلي فيستمر التفكير فيها حتى تحدث، فمعرفة الله ليست أمرا عرفه الإنسان وانتهى الأمر وكذلك الآخرة.
ـ فلابد أن يتوجه التفكير للشيء المؤثر، ولابد أن يستمر التفكير في الأمر المؤثر طالما أنه لم ينتهي خطره بعد، فكل إنسان يفكر في أمور كثيرة لكن المحور الذي يدور حوله تفكيره هو الله والآخرة، أما المغرور بالدنيا فمحور تفكيره هو الدنيا والشهوات لأن لديه شعور كاذب بأن فيها قيمة كبيرة مؤثرة.
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)