ـ الدنيا والشهوات هي أشياء تافه القيمة غير مؤثرة لا قيمة لها لأنها ضئيلة وزائلة، وعندما يفكر الإنسان في حقيقة قيمة الدنيا والشهوات فإنه لا ينشغل بها ذهنه وهمه وينساها ولا تتأثر بها مشاعره فلا يحبها ولا يكرهها ولا يخافها ولا يخضع لها.
ـ قد يحدث العكس، فالإنسان يعلم حقيقة عظمة الخالق، لكنه قد يتناسى ذلك فلا يفكر في مدى قيمة صفاته وعظمته، وبالتالي لا ينشغل بذلك همه ولا تتأثر مشاعره فلا يشعر بحبه ولا الخوف منه ولا رجاءه ولا الخضوع له.
ـ وكذلك يتناسى حقيقة ضآلة الدنيا والشهوات فلا يفكر في ذلك، وينخدع بزينتها الخادعة فيراها عظيمة القيمة فيحب الشهوات ويهابها ويخضع لها.
ـ إذن فالشيء يعرف بقيمته، وقيمة الشيء هي قيمة موجبات الخضوع في ذلك الشيء، أي مدى خطورة ذلك الشيء.
ـ فالمشركون يرون الأصنام عظيمة القيمة في نظرهم، لكنهم عندما يعرفون مدى قدرة الله يرون الأصنام أمام قدرة الله لا شيء ويعرفون تفاهتها فينسونها ولا ينشغل همهم بغير قدرة الله تعالى، ففي: البحر المحيط ـ نسخة محققة - (4/ 513)
وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ النسيان حقيقة والذهول والغفلة عن الأصنام لأن الشخص إذا دهمه ما لا طاقة له بدفعه تجرد خاطره من كل شيء إلا من اللّه الكاشف لذاك الداهم، فيكاد يصير كالملجأ إلى التعلق باللّه والذهول عن من سواه فلا يذكر غير اللّه القادر على كشف ما دهم
ـ الإنسان تتأثر مشاعره بالأمر، فتتفاعل به مشاعره إذا كان عظيم القيمة سواء في نفعه أو ضرره، ولا تتأثر مشاعره (تتبلد مشاعره) إذا كان لا قيمة له، وذلك بحسب شعوره بقيمة الأمر وليس بحسب يقينه النظري.
ـ وعمل المشاعر يشمل أمران هما:
أ ـ وجود الحالة النفسية المميزة لكل شعور من المشاعر:
ـ فالخوف فيه شعور بالقلق والاضطراب الداخلي والحب فيه شعور بالشوق والفرح والارتياح النفسي والإعجاب والخضوع فيه شعور بالانكسار والذلة والمسكنة، وهكذا، أي يشعر بما يشعر به الخائف من أمر هائل من أمور الدنيا بل اشد وهكذا.
ـ والحالة النفسية لكل شعور من المشاعر تكشف الإنسان أمام نفسه حتى لا يظن انه يخاف الله وليس في قلبه ذرة من الخوف أو يحسب أنه يحبه وليس في قلبه ذرة من الحب، وهكذا.
ب ـ استمرارية هذه الحالة النفسية ما دام المؤثر ما زال موجودا:
ـ فتظل خائفا من الله محبا له خاضعا له حتى تموت وحتى بعد أن تموت تظل أيضا خائفا من مهابته محبا له خاضعا له حتى وآنت في الجنة (وهذه الأمور سوف تكون تلقائية) .
ـ التعامل مع المعلومات التي يستمر خطرها:
ـ يستمر التفكير في الأمر طالما استمر الخطر منه أو الألم أو اللذة منه حتى ينتهي خطره ويزول ألمه أو لذته، وطالما أن الآخرة لم تأتي بعد فيستمر التفكير في هذا الخطر حتى تأتي وتنتهي بدخول الجنة أو النار، وكذلك يستمر التفكير في قدرة الله وصفاته لان ذلك باقي فالله حي لا يموت سبحانه، فيظل الإنسان في حالة قلق وخوف من الآخرة إلى أن يصل إلى الجنة أو النار، ويظل في خوف من مهابة الله وحب وخضوع لله دائما حتى وهو في الجنة.
ـ فطالما أن المؤثر ما زال مستمرا وموجودا فلابد أن يستمر التأثر به، فمثلا طالما أن الآخرة لا تزال لم تأتي بعد فلابد أن يستمر خوف المهابة من أهوالها وأن يستمر حب الجنة ورجاءها وكراهية النار والخوف منها وتبقى الآخرة في بؤرة شعوره ودائرة همومه وتكون أكبر أهدافه حتى تأتي الآخرة، ويوم القيامة يكون هناك شعور أشد بخوف المهابة من