فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 249

معرضون، فيحصل لهم نوع من الفهم الذي يعرفون به الحق، لكن ليس في قلوبهم قصدٌ للخير والحق وطلبٌ له، فلا يعملون بعلمهم ولا يتبعون الحق )) [1] .

ـ الإنسان له عقل لكنه لا يستعمله فهو يتغابى كأنه لا عقل له رغم انه له عقل، وإذا لم يشعر الإنسان بقيمة ما يعقله فما فائدة العقل إذن، فأصبح كأن لم يعقل.

ـ فقد يكون عبقريا من علماء الذرة ـ وذلك أمر عظيم يأمر به الشرع ـ ورغم ذلك لم يعقل ما في داخل هذه الذرة من العجب وأن وراءها قوة قاهرة فوق قوة الإنسان هي قوة الخالق وبالتالي يستسلم للخالق ويعيش خاضعا له، فهو عبقري في ظاهر الأمر لكن حقيقته أنه لا عقل له، كما أنه لا يشعر بضآلة علم الذرة والتكنولوجيا والدنيا بالمقارنة بالآخرة، ولا يشعر بقدرة الخالق وضآلة علم الذرة والتكنولوجيا والدنيا بالمقارنة بقدرة الخالق وعلمه، فهو بذلك غبي لا يعقل.

ـ ومن تعبيرات القرآن عن غياب العقل: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [2] ، (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ) [3] ، (( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) ) [4] ، (( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَأنها لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ) [5] ، (( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) ) [6] ، (( وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ) [7] ، (( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) ) [8] ، (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ) ) [9] ، (( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [10] ، (( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ) [11] ، (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ) [12] ، (( لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ) ) [13] ، (( وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) ) [14] ، (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [15] ، (( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) ) [16] ، (( أَلَا أنهم هُمُ السُّفَهَاءُ ) ) [17] .

ـ الناس من ناحية العقل صنفين هما:

1ـ الأغبياء (الذين لا يعقلون) :

ـ الإنسان إما مؤمن وإما غبي، ففي الحديث: (( ما تستقل الشمس فيبقى شيء من خلق الله إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم ) ) [18] ، فكل شيء هو آية تدل على الخالق ومن أوضح هذه الآيات الشمس فهي تدل على قدرة الله الهائلة وعلى أن قدرته تصل إلى الكمال ليس فيها نقص وهذا معنى التسبيح، أي أنه لا يرى في قدرة الله وصفاته أي نقص فهي بلغت الذروة والكمال فيخضع لقوة الله ويسجد ويكون من المؤمنين.

ـ والأغبياء إما أن يكونوا مجانين، وهؤلاء لا عقل لهم لوجود أمراض عضوية وهؤلاء غير مكلفين، أو هم الذين عطلوا عقولهم فلم يستعملوها: (( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [19] ، (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ) [20] ، (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [21] ، وهم ليسوا مجانين ولكنهم عطلوا عقلولهم فأصبحوا كأنهم مجانين لا يعقلون وكأنهم لا يسمعون وكأنهم لا يبصرون وكأنهم موتى، فهم يمنعون أنفسهم من الاستجابة للرسل بتعطيل عقولهم، فهؤلاء في الحقيقة غير عاقلين وهؤلاء هم المنافقين والكفار.

2ـ العاقلين (أولي الألباب) :

ـ (( فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ) ) [22] ، (( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [23] ، (( فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) ) [24] ، (( هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) ) [25] ، (( وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [26] ، وفي تفسير اللباب في علوم الكتاب: (( {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} قال ابن عباس(رضي الله عنهما) : أي عَقْل )) [27] ، وهؤلاء عاقلين، وعندهم شعور بقيمة ما يعقلونه، وهؤلاء يؤمنون بالضرورة: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُون ) ) [28] .

11ـ عدم الإحاطة بالأمر علما (أي لم يعقل الأمر) :

ـ ففي حاشية الشهاب: (( المسارعة إلى التكذيب مأخوذة من قوله:(لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) فإن التصديق والتكذيب بالشيء ينبغي أن يكون بعد العلم به والإحاطة بكنهه ومعرفة مآله ومرجعه وإلا كان مسارعة إليه في غير أوانه )) [29] .

ـ وفي تفسير روح المعاني: (((بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) ذم لهم بالمسارعة إلى تكذيب الحق قبل التأمل والتدبر والاطلاع على الحقيقة )) [30] .

ـ وفي تفسير البحر المحيط: (((بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) قال الزمخشري: (بل كذبوا) بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجأوه في بديهة السماع قبل أن يفهموه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويفقهوا تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم )) [31] .

ـ وفي التفسير القرآني للقرآن: (( وفي قوله تعالى: «وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا» إشارة إلى أنهم لم ينظروا في آيات اللّه، ولم يعرضوها على عقولهم، بل واجهوها بالبهت والتكذيب، ورموها بالسخرية والاستهزاء، من قبل أن ينظروا فيها ) ) [32] .

ـ وفي التفسير المنير: (( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي إن كفار قريش في الحقيقة كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الثابتة بالمعجزات، أنهم كذبوا(بالقرآن وبالنبوة) بمجرد تبليغهم به من قبل الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر، فهم في أمر دينهم في أمر مختلط مضطرب، يقولون مرة

(1) جامع المسائل لابن تيمية ـ دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع (1/ 130، 131)

(2) الملك: 10

(3) البقرة: من الآية 171

(4) الأنفال: 22

(5) الحج: 46

(6) الفرقان: 44

(7) الأعراف: 179

(8) يس: 62

(9) يونس: 42

(10) يونس: 100

(11) المؤمنون: 80

(12) الروم: 24

(13) الأعراف: 179

(14) التوبة: 87

(15) العنكبوت: 63

(16) البقرة: 130

(17) البقرة: 13

(18) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 5599 في صحيح الجامع)

(19) يونس: 100

(20) البقرة: من الآية 171

(21) الملك: 10

(22) الطلاق: 10

(23) الزمر: 18

(24) الجن: 14

(25) غافر: 54

(26) البقرة: 269

(27) اللباب في علوم الكتاب ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج: 18، ص: 46)

(28) الأنعام: 36

(29) حاشية الشهاب الخفاجى على البيضاوي ـ دار صادر - بيروت (5/ 29)

(30) روح المعاني ـ دار الكتب العلمية - بيروت (6/ 117)

(31) محمد: 20

(32) االتفسير القرآني للقرآن ـ دار الفكر العربي - القاهرة (10/ 294)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت