ـ وفي التفسير المنير: (( الاستجابة لدعوة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم تتطلب سماع آيات القرآن سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق، وهذا منهج المؤمنين الذين يقبلون ما يسمعون، فينتفعون به ويعملون، أما الإعراض عن الدعوة فمنشؤه تعطيل طاقات الحواس، فهم لا يسمعون سماع تدبر، ولا يتفهمون الآيات فهم إمعان وروية، فصاروا كأنهم موتى لموت قلوبهم، لا موتى أجساد ) ) [1] .
ـ فقد تموت وظائف الإنسان وهو لا يزال حي، فهو عندئذ كالمريض الذي أصيب"بسكتة مخية"حيث توقف المخ عن العمل في حين أعضاءه لا تزال تعمل، أو كالرجل الذي شرب خمرا فأصبح سكرانا كأنه لا عقل له، أو كالطفل الصغير يلعب ويلهو دون أن يعقل الأمور، أو كالنائم الذي يقوم من نومه ويتحرك وهو لا يزال نائما (كما يحدث عند بعض الناس) ، أو كالبهائم لا عقل لها رغم أنها تعيش حياتها وتأكل وتنام وتتكاثر، أو كالحمار يحمل على ظهره كتب سماوية ومصاحف لكنه لا يعي ولا يفهم قدر ما يحمله، فوظائف المعرفة والعلم والفهم والوعي والإدراك أصبحت معطلة بسبب غياب التفكير السليم، فهو يسمع ويعقل لكنه ليس لديه شعور بقيمة ما يسمعه أو يعقله، فأصبح كأنه لا يسمع ولا يعقل وكأنه ميت لأنه فقد التفكير السليم في قيمة الأشياء: (( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) ) [2] .
ـ وكذلك يتعامل مع المتحدث كأنه نائم فهو يحذره من النار ويدله على الجنة فلا يتأثر، ففي الحديث: (( ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها ) ) [3] .
13ـ السكر (فقدان الوعي) :
ـ عند القيام بعملية جراحية لمريض فإنه يأخذ مخدر، فهو عندئذ يكون فاقد الوعي لما حوله لا يدرك ما يحدث حوله، وكذلك الإنسان عندما يتناسى قيمة ما حوله من الأشياء فهو بذلك يصطنع فقدان الوعي كأنه سكران لا يعي ولا يدرك ما حوله أي كأنه في غيبوبة أي كأنه ميتا أي كأنه نائما أي كأنه لا يدري ما حوله.
ـ فتعطيل وظائف العقل والأذن والعين يجعل الإنسان لا يشعر بحقائق الأشياء من حوله، فيصبح كالتائه الذي يتخبط لا يدري الحق من الباطل، لذلك هناك أمران لا ثالث لهما هما: إما أن يكون الإنسان لديه شعور بقيمة الأشياء فهو يشعر بقيمة ما يعمله فهو يعيش لله، أو يتخبط لا يدري حقيقة ما يعمل كأنه طفل يلعب ويلهو لا يدري ما يعمل: (( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) ) [4] ، فهؤلاء اتخذوا مسألة الآخرة ووجود الخالق وعظمته لعبا ولهوا ولم يتعاملوا معها ويأخذوها مأخذ الجد: (( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) ) [5] ، وهم يتصورون أن أعمالهم الدنيوية هي الجد رغم أنها لعب ولهو لأنها إلى زوال: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [6] .
ـ وفي تفسير أضواء البيان: (((وقوله: {لَفِي سَكْرَتِهِمْ} أي: عماهم وجهلهم وضلالهم، والعمه: عمى القلب، فمعنى {يَعْمَهُونَ} يترددون متحيرين لا يعرفون حقًا من باطل، ولا نافعًا من ضار، ولا حسنًا من قبيح ) ) [7] .
14ـ التلهي (عدم التفكير في الأمر بشغل التفكير في أمور أخرى وعدم الشعور بقيمته وعدم انشغال الهم به) :
ـ لا يستطيع الإنسان أن يمنع عقله من التفكير في أمر ما هو يوقن نظريا بأنه خطير، لكنه يستطيع أن يشغل عقله بالتفكير في أمور أخرى فهو بذلك يتلهى عن التفكير في ذلك الأمر الخطير، فلا يكون له هم إلا بالدنيا، ويوجه كل تفكيره وتدبره في الأمور الدنيوية وظواهر الأشياء دون بواطنها وحقيقتها فينشغل عن التفكير في حقائق الأمور
(1) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (7/ 192)
(2) الفرقان: 44
(3) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3662)
(4) الأعراف: 51
(5) الطارق: 13، 14
(6) الحديد: 20
(7) أضواء البيان ـ دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت - لبنان (2/ 189)