ـ قال تعالى: (( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ) [1] ، وفي تفسير مفاتيح الغيب: (( فرحوا بما عندهم من العلم ... يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافِلُونَ [الروم: 7] ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة اللّه تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به ) ) [2] ، وفي التفسير القرآني للقرآن: (( قوله تعالى: «ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ» أي ذلكم الذي أنتم فيه من بلاء وعذاب في الآخرة، هو بسبب ما كنتم عليه في الدنيا من غرور بما ملكتم فيها، وزهو وعجب بما بين أيديكم من زخرفها ومتاعها، فصرفكم ذلك عن أن تنظروا إلى ما وراء يومكم الذي أنتم فيه، فقطعتم حياتكم في فرح ومرح، ولهو وعبث ) ) [3] أي فرح غرور بالدنيا كأنهم هم الذين جلبوا متع الدنيا لأنفسهم فهي ملكهم وهو أقوياء بذلك فاستكبروا عن الشعور بالخضوع لله القوي فمصيرهم النار باستكبارهم.
ـ إذن سبب الفرح هو شعور الإنسان بأنه مالك الشيء وبأنه هو الذي أوجده وعدم شعوره بأن الله هو المالك لهذا الشيء وهو الذي خلقه وأوجده، والدليل على ذلك أن قوم قارون عندما قالوا له: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) قال لهم: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) .
17ـ التقليد (إشارة إلى تعطيل العقل) :
ـ ظاهر الأمر أن الشيء الذي يعمله كثير من الناس إذن هو صواب، فلابد أنهم فكروا في الأمر فوجدوه صوابا فعملوا به، فالإنسان الذي يتعجل فينظر إلى ظاهر الأمر فهو مخطئ، فلابد أن يستعمل الإنسان عقله في حقيقة الأمر وحقيقة ما يعمله الناس، فربما يكون كل هؤلاء الناس مخطئون، ولذلك يقول تعالى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) ) [4] ، (( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ )) [5] .
ـ فإذا اخترع الناس نظم وعظموا من قيمتها واتفقوا جميعا عليها وقالوا نعيش حياتنا على هذا النظام واستمروا عليه جيلا بعد جيل، فهذا لا يعني أن ذلك هو الحق فيتبعه مثلما اتفق الجميع عليه، ولكن يستعمل الإنسان عقله في حقيقة هذا الأمر.
ـ بل إن الأصل الشرعي أن أكثر الناس مخطئون فلا تسير وراءهم: (( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ) [6]
18ـ الانصراف والميل عن الحق:
ـ ترك المتحدث يتحدث وانصرف عنه: ففي أيسر التفاسير: (( {وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} والحال أنكم تعلمون أني رسول الله إليكم حقًا وصدقًا ... وقوله تعالى: {فلما زاغوا} أي مالوا عن الحق بعد علمه غاية العلم فآثروا الباطل ) ) [7] ، وفي محاسن التأويل: (( {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] {فَلَمَّا زَاغُوا} أي: عن مقتضى علمهم لفرط الهوى، وحب الدنيا ) ) [8] .
19ـ الانصراف في سرية كأنه غير موجود:
(1) غافر: 83
(2) مفاتيح الغيب ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 27، ص: 535)
(3) االتفسير القرآني للقرآن ـ دار الفكر العربي - القاهرة (ج: 12، ص: 1269)
(4) البقرة: 170
(5) الزخرف: 23، 24
(6) الأنعام: 116
(7) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (4/ 251)
(8) تفسير القاسمي [محاسن التأويل] ـ دار الكتب العلميه - بيروت (9/ 220)