29ـ اتخاذ الأمر لعبا ولهوا وهزلا بغير جدية (لا يأخذ كلام المتحدث على أنه جد) :
ـ يتعامل مع الأمر كأنه هزل: (( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) ) [1] ، فهو يستمع إلى الأمر وهو يلعب فلا يلقي له بالا: (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ )) [2] .
ـ فهو يوقن بالأمر ويصدق كلام المتحدث لكنه يتخذ الأمر بغير جدية كأنه هزل.
ـ ففي محاسن التأويل: (( {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} .. وقيل: معناه إن كنتم موقنين بما تقرون به من أنه رب الجميع وخالقه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي: بل ليسوا بموقنين في إقرارهم بربوبيته؛ لأن الإيقان يستتبع قبول البرهان، وإنما هو قول ممزوج بلعب، لغشيان أدخنة أهوية نفوسهم، بصائر قلوبهم وأرواحهم ) ) [3] ، وفي تفسير الشيخ المراغى: (( {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي بل هم في شك من التوحيد والبعث والإقرار بأن اللّه خالقهم، وإن قالوا ذلك فإنما يقولونه تقليدا لآبائهم من غير علم، إذ هم قابلوه بالهزء والسخرية فعل اللاعب العابث الذي يأخذ الجدّ وما لا مرية فيه أخذ الهزل الذي لا فائدة فيه ) ) [4] ، وفي تفسير السمعاني: (( {بل هم في شك يلعبون} أي: يسمعون سماع لاعب، ويقولون قول لاعب، ويقبلون قبول لاعب ) ) [5] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( {بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي في شك لا يزالون فيه يلعبون، فإقرارهم ليس عن جد ولا تيقن ) ) [6] ، وفي التفسير المنير: (( ثم ذكر حقيقة المشركين، فقال:(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) أي بل هؤلاء المشركون في شكّ من أمر البعث والتّوحيد والإقرار الذي صدر منهم بأن اللَّه هو خالقهم، وهم في الواقع عابثون لا هون لاعبون، لا جدّية عندهم في الاعتقاد الصحيح، والسّلوك المطابق له )) [7] .
ـ وفي تفسير السمعاني: (( {فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون} أي: في باطل لاهون، ويقال: يخوضون في أمر النبي بالتكذيب، ويلعبون بما هو [الجد] . وعن بعضهم: أنه رؤي في المنام، فقيل له: كيف الأمر؟ فقال: الأمر جد فأياك أن تخلطه بالهزل ) ) [8] .
ـ وفي تفسير القرطبي: (( {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 1، 2] {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته، {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} الواو واو الحال يدل عليه {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} ومعنى {يَلْعَبُونَ} أي يلهون. وقيل: يشتغلون؛ فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين: أحدهما: بلذاتهم، الثاني: بسماع ما يتلى عليهم، وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين: أحدهما: بالدنيا لأنها لعب؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36] ، الثاني: يتشاغلون بالقدح فيه، والاعتراض عليه )) [9] .
ـ وفي تفسير إيجاز البيان: (( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا: [اتخذوا أمر دينهم] كأمر دنياهم، والدنيا لهو وباطل ) ) [10] ، وفي تفسير الرازي: (( هؤلاء الكفار بأنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وفيه وجهان: الوجه الأول أن الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم تلاعبوا به وما كانوا فيه مجدين، والوجه الثاني أنهم اتخذوا اللهو واللعب دينًا لأنفسهم ) ) [11] ، وفي تفسير السعدي: (( {لَهْوًا وَلَعِبًا} أي: لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، واستعاضوا بذلك عن الدين القيم، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزينتها وزخرفها وكثرة دعاتها، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا، وأعرضوا عن الآخرة ونسوها، {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} أي: نتركهم في العذاب كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ
(1) الطارق: 13، 14
(2) الأنبياء: 1 ـ 3
(3) محاسن التأويل ـ تفسير القاسمي ـ دار الكتب العلميه - بيروت (8/ 408)
(4) تفسير الشيخ المراغي ـ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي بمصر (25/ 121)
(5) تفسير السمعاني دار الوطن، الرياض (5/ 122)
(6) تفسير البحر المحيط ـ دار الفكر - بيروت (8/ 25)
(7) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (25/ 208)
(8) تفسير السمعاني دار الوطن، الرياض (5/ 269)
(9) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (11/ 268)
(10) إيجاز البيان عن معاني القرآن ـ دار الغرب الإسلامي - بيروت (1/ 332)
(11) تفسير الرازي: مفاتيح الغيب ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (14/ 77)