حيثُ لم يستعملُوه في استماعِ الوَحي ومواعظِ الرسلِ. {وَلاَ أبصارهم} حيثُ لم يجتلُوا بها الآياتِ التكوينيةَ المنصوبةَ في صحائفِ العالمِ. {وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ} حيثُ لم يستعملُوها في معرفةِ الله تعالَى )) [1] .
ـ وفي صفوة التفاسير: (( {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا، وفيه توبيخ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به الإنسان ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات الكونية في الآفاق، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته، فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها، فهو بمنزلة فاقدِها، كما قال تعالى: {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} ) ) [2] .
ـ وفي تفسير الخازن: (( {وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً} يعني إنا أعطيناهم هذه الحواس ليستعملوها فيما ينفعهم في أمر الدين فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) ) [3] .
ـ وفي تفسير الرازي: (( {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَة} والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعًا فما استعملوه في سماع الدلائل وأعطيناهم أبصارًا فما استعملوها في تأمل العبر وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئًا ) ) [4] .
ـ وفي تفسير البغوي: (( {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي، {وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ} ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها ) ) [5] ، وفي تفسير الشيخ المراغى: (((ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي إن منتهى علمهم أن يتفهموا شئون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات، ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك، فشئون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم، لا يعرفون منها قبيلا من دبير )) [6] .
36ـ الحيلولة بين المرء وقلبه (غياب العقل، أي يعمل بغير عقل) :
ـ ففي تفسير البحر المحيط: (( {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} ... وقال مجاهد: يحول بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل عقوبة على عناده ففي التنزيل {إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} أي عقل ) ) [7] .
37ـ الطبع على القلب (الطبع على العقل) :
ـ كلمة"القلب"في القرآن يقصد بها"العقل":
1ـ ففي تفسير القرطبي: (( القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32] وقال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] يعني في الموضعين قلبك. وقد يعبر به عن العقل، قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] أي عقل، لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين، والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد ) ) [8]
2ـ ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (( هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟، جـ - هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلى الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلى قول الله وقول رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب(!) ، وأن القلب في الصدر: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] ، وقال: {فَأنها لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، ولم يقل: القلوب التي في الأدمغة (!) ، فالأمر فيه واضح جدًّا، أن العقل يكون في القلب، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب، فما بالك بأمر شهد به كتاب الله، والله هو الخالق العالم بكل شيء، وشهدت به سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم-؟!، إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن نجعله تحت أقدامنا، وألا نرفع به رأسًا، إذن القلب هو محل العقل )) [9] ."
3ـ ومعنى"القلب"في اللغة أي"العقل"ففي مختار الصحاح: (( القَلْبُ الفؤاد وقد يعبر به عن العقل قال الفراء في قوله تعالى {لمن كان له قلب} أي عقل ) ) [10] .
4ـ الطبع على القلب هو الطبع على العقل بدليل أن نتيجة الطبع على القلب هي نفس نتيجة عدم التفكير في الأمر، فكلاهما يؤدي إلى عدم الفقه وعدم العلم والغفلة ويصبح كأنه لم يسمع والآيات تبين ذلك كالتالي: (( وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) ) [11] ، (( وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) ) [12] ، (( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [13] ، (( وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ) ) [14] .
38ـ انقلاب العقل (تعطيل العقل) :
ـ قد يكون عقل الإنسان مقلوبا يحتاج إلى أن يقوم بعدله ليكون في الوضع الصحيح وذلك كناية عن مرض العقل وعدم قيامه بوظيفته السليمة:
ـ ففي تفسير التحرير والتنوير: (( {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يجوز أن يكون عطفا على جملة {أنها إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] فتكون بيانا لقوله: {لا يُؤْمِنُونَ} أي بأن نعطل أبصارهم عن تلك الآية وعقولهم عن الاهتداء بها فلا يبصرون ما تحتوى عليه الآية من الدلائل ولا تفقه قلوبهم وجه الدلالة فيتعطل تصديقهم بها، وذلك بأن يحرمهم الله من إصلاح إدراكهم، وذلك أنهم قد خلقت عقولهم نابية عن العلم الصحيح بما هيأ لها ذلك من انسلالها من أصول المشركين، ومن نشأتها بين أهل الضلال وتلقي ضلالتهم، كما بينته آنفا. فعبر عن ذلك الحال المخالف للفطرة السليمة بأنه تقليب لعقولهم وأبصارهم، ولأنها كانت مقلوبة عن المعروف عند أهل العقول السليمة ) ) [15] ، وفي التفسير المنير: (( {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} نحول قلوبهم عن الحق فلا يفهمونه وَأَبْصارَهُمْ عنه فلا يبصرونه ) ) [16] .
39ـ نكس على رأسه (جعل رأسه أسفل ورجلاه أعلى إشارة إلى تعطيل العقل) :
ـ بعدما عقل الأمر تراجع وأغلق عقله.
ـ ففي أيسر التفاسير: (( {فرجعوا إلى أنفسهم} : أي بعد التفكر والتأمل حكموا على أنفسهم بالظلم لعبادتهم مالا ينطق، {نسكوا على رؤوسهم} : أي بعد اعترافهم بالحق رجعوا إلى إقرار الباطل فكانوا كمن نكس فجعل رأسه أسفل ورجلاه أعلى ) ) [17] ، وفي التفسير المنير: (( فَرَجَعُوا إلى أَنْفُسِهِمْ أي راجعوا عقولهم، وفكروا وتدبروا فَقالُوا لأنفسهم إِنَّكُمْ
(1) تفسير أبي السعود دار إحياء التراث العربي - بيروت (6/ 144)
(2) صفوة التفاسير ـ دار الصابوني - القاهرة (2/ 239)
(3) تفسير الخازن ـ دار الكتب العلمية - بيروت (4/ 134)
(4) تفسير الرازي: مفاتيح الغيب ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (28/ 25)
(5) تفسير البغوي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت (ج: 3، ص: 571)
(6) تفسير الشيخ المراغي ـ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي بمصر (ج: 27، ص: 56)
(7) البحر المحيط ـ دار الفكر - بيروت (ج: 6، ص: 68)
(8) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (1/ 189)
(9) شرح رياض الصالحين- للشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - دار الوطن للنشر، الرياض (ج: 1، ص: 341)
(10) مختار الصحاح ـ المكتبة العصرية ـ بيروت (1/ 258)
(11) الأعراف: 100
(12) التوبة: 87
(13) الروم: 59
(14) الأنعام: 25
(15) التحرير والتنوير ـ الدار التونسية للنشر - تونس (6/ 272)
(16) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (7/ 324)
(17) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (3/ 423)