فارتفعت عنه خاصية اليقين والإقرار التي هي الجري على موجب العلم، فإن العلم إذا لم يجر صاحبه على العمل به وتجديد ملاحظته تطرق إليه الذهول ثم النسيان فضعف حتى صار شكا لانحجاب الأدلة التي يرسخ بها في النفس، أي هم شاكون في وحدانية الله تعالى )) [1] ، وفي التفسير الوسيط للقرآن الكريم: (( و"بَلْ"في قوله - تعالى:(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) للإضراب الإبطالى، لأن المقصود من الآية الكريمة، نفى إيقانهم بأن خالق السموات والأرض هو اللّه، لعدم جريهم على ما يقتضيه هذا الإيقان، لأنهم لو كانوا موقنين حقا بذلك، لأخلصوا للّه - تعالى - العبادة والطاعة، فيكون المعنى: إن هؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السموات والأرض وما بينهما هو اللّه، بل قالوا ما قالوا في ذلك على سبيل الشك واللعب، قال الآلوسى: «قوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ... إضراب إبطالى، أبطل به إيقانهم لعدم جريهم على موجبه، وتنوين شَكٍّ للتعظيم، أى: في شك عظيم. يَلْعَبُونَ أى: لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان، بل يقولونه مخلوطا بهزء ولعب» [2] ) [3] ، وفي أيسر التفاسير: (( {بل هم في شك يلعبون} : أي فليسوا بموقنين بل هم في شك من ربوبية الله تعالى لخلقه وإلا لعبدوه وأطاعوه(بل هم في شك يلعبون) بالأقوال والأفعال واليقين لهم في ربوبية الله تعالى، وإنما هم مقلدون لآبائهم في ذلك )) [4] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( وقوله:(إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) تحريك لهم بأنكم تقرون بأنه تعالى خالق العالم، وأنه أنزل الكتب، وأرسل الرسل رحمة منه، وأن ذلك منكم من غير علم وإيقان، ولذلك جاء: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ، أي في شك لا يزالون فيه يلعبون. فإقرارهم ليس عن جد ولا تيقن )) [5] ، وفي التفسير المنير: (( {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي بل هؤلاء المشركون في شكّ من أمر البعث والتّوحيد والإقرار الذي صدر منهم بأن اللَّه هو خالقهم، وهم في الواقع عابثون لا هون لاعبون، لا جدّية عندهم في الاعتقاد الصحيح، والسّلوك المطابق له ) ) [6] ، وفي تفسير القرطبي: (( {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم؛ وإنما يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك، وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة ) ) [7] ، وفي صفوة التفاسير: (( {بل هم في شك يلعبون} أي ليسوا موقنين فيما يظهرونه من الإيمان، في قولهم: الله خالقنا ) ) [8] ، وفي تفسير القاسمي: (( {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي: بل ليسوا بموقنين في إقرارهم بربوبيته؛ لأن الإيقان يستتبع قبول البرهان، وإنما هو قول ممزوج بلعب، لغشيان أدخنة أهوية نفوسهم، بصائر قلوبهم وأرواحهم ) ) [9] .
5ـ الكافر يظن أن ما عنده من مال ونعم ملك له وحصل عليه بجهده رغم اليقين النظري التام بأن الله هو المالك والرزاق، ففي ففي تفسير ابن جزي: (( {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 50] {لَيَقُولَنَّ هذا لِي} أي هذا حقي الواجب لي، وليس تفضلا من الله ولا يقول هذا إلا كافر، ويدل على ذلك قوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) ) [10] ، وفي تفسير القاسمي: (( {لَيَقُولَنَّ هذا لِي} أي حقي نلته بعملي، لا بفضل من الله جحدا للمنعم ) ) [11] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} أَيْ بِسَعْيِي وَاجْتِهَادِي، وَلَا يَرَاهَا أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ ) ) [12] .
6ـ اليقين الحقيقي بربوبية الله هو الذي يؤدي إلى عبادته سبحانه (والعبادة هي خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع والعمل لله فشملت بذلك كل شيء) : (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) ) [13] ، (( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ ) ) [14] ، (( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ) [15] ، وفي أيسر التفاسير لأسعد حومد: (((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) وَلَئِنْ سَأَلْتَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، العَابِدِينَ غَيْرَهُ، مَنْ خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ الخَلْقَ جَمِيعًا، لَيَعْتَرِفُنَّ بِأَنَّ الله تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ، وَخَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَلَكِنَّهُمْ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ هَذَا فَإِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّنْ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلاَ يَقْدِرُ
(1) التحرير والتنوير ـ الدار التونسية للنشر - تونس (25/ 285)
(2) تفسير الآلوسى [روح المعاني] ـ دار الكتب العلمية - بيروت (ج 13 ص 115)
(3) التفسير الوسيط للقرآن الكريم ـ دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة (13/ 118)
(4) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (5/ 6)
(5) البحر المحيط ـ دار الفكر - بيروت (9/ 399)
(6) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (25/ 208)
(7) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (16/ 129)
(8) صفوة التفاسير ـ دار الصابوني - القاهرة (3/ 198)
(9) تفسير القاسمي [محاسن التأويل] ـ دار الكتب العلميه - بيروت (8/ 408)
(10) تفسير ابن جزي [التسهيل لعلوم التنزيل] ـ شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت (2/ 243)
(11) تفسير القاسمي [محاسن التأويل] ـ دار الكتب العلميه - بيروت (8/ 346)
(12) البحر المحيط في التفسير ـ دار الفكر - بيروت (9/ 316)
(13) الزخرف: 64
(14) مريم: من الآية 65
(15) الأنبياء: من الآية 92