عَلَى شَيءٍ، فَكَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ إلى طِرِيقِ الضَّلاَلَةِ لَوْ لَمْ يَكُونَوا فِي غَايَةِ الجَهْلِ، وَسَفَاهَةِ الرَّأيِ؟، (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ )) [1] ، وفي التفسير الوسيط للقرآن الكريم: (((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقوله سبحانه: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) تعجيب من تناقضهم في أفعالهم، ومن انحراف في تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم، أي: إذا كنتم معترفين بأن اللّه وحده هو الخالق للسموات والأرض، والمسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه في العبادة آلهة أخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإقرار بوحدانيته عز وجل؟ )) [2] .
ـ وعبارة (فأنى يؤفكون؟) تدل على أن هؤلاء لا يعقلون ما يقولونه من أن الله هو الخالق والرازق، لأنهم لو عقلوا ذلك لعبدوه وحده سبحانه، ويؤكد ذلك عبارة (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) في قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ )) [3] ، وعبارة (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) في قوله تعالى: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [4] .
7ـ وفي قوله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ) [5] ، أي أفلا تعقلون ربوبية الله، ففي التفسير المنير: (((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أي وللّه وحده تسخير الليل والنهار، وجعل كل منهما يطلب الآخر، يتعاقبان، لا يفتران ولا يفترقان بنظام دقيق وزمان محدد كما قال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس 36/ 40] ، ثم حذر اللّه تعالى من ترك النظر في كل هذا فقال: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي أفلا تتفكرون في هذه الأشياء، أفلا تعقلون كنه قدرته وربوبيته ووحدانيته، وألا تدلكم عقولكم على العزيز العليم الذي قهر كل شيء، وخضع له كل شيء، لتعلموا أن اللّه حي موجود قادر؟! )) [6] .
8ـ اليقين بالله والآخرة إذا لم يتم تصوره والشعور بخطورته وانشغال البال به ظل يقينا نظريا فقط، واليقين بالله والآخرة إذا لم يؤدي إلى خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع فهو يقين نظري وليس يقينا حقيقيا، أما اليقين الحقيقي فهو الذي يؤدي إلى هذه المشاعر لأن توحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الألوهية، ومن توحيد الألوهية هذه المشاعر، ولأنه بالفطرة من عرف الله أحبه وخافه وخضع له ورجاه.
9ـ وفي الحديث:: (( ذَاقَ طَعْمَ الإيمان مَنْ رَضِىَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإسلام دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) ) [7] ، فالحديث يطالبنا بالرضا بالله ربا وليس اليقين النظري به ربا، والرضا هو شعور من المشاعر وليس مسألة معرفية علمية، والحديث يبين أن الإيمان له طعم وحلاوة وبالتالي هو شيء تشعر به وليس شيء تقتنع به فقط، فالإيمان بالله ربا هو شيء تشعر به وتذوق طعمه وليس مجرد الاقتناع النظري بالله ربا يكون إيمانا حقيقيا.
10ـ يقول المستشار الدكتور على جريشة: (( إن الفصل بين المعنيين"توحيد الربوبية"و"توحيد الألوهية"لا محل له إلا ليكون للبيان والتوضيح .... ونود أن نؤكد أن منهج القرآن في عدم الفصل بين أنواع التوحيد ـ كما ذهب إليها العلماء ـ هو المنهج الأقوم .. وهو الذي يتفق مع أسماء الله وصفاته ) ) [8] .
43 ـ السخرية والاستهزاء (إشارة إلى أنه يرى كلام المتحدث هراء ولا يبالي به) :
ـ ففي تفسير مراح لبيد: (( {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} ، {وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ} أي طبقة من كبرائهم {سَخِرُوا مِنْهُ} أي كانوا يتضاحكون لعمله السفينة ويقولون: يا نوح كنت تدعي رسالة اللّه تعالى فصرت بعد ذلك نجارا، وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء
(1) أيسر التفاسير لأسعد حومد (1/ 4291)
(2) التفسير الوسيط للقرآن الكريم ـ سيد طنطاوي ـ دار نهضة مصر، الفجالة - القاهرة (11/ 55)
(3) العنكبوت: 63
(4) لقمان: 25
(5) المؤمنون: 80
(6) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (18/ 83)
(7) تحقيق الألباني: (صحيح(انظر حديث رقم: 3425 في صحيح الجامع)
(8) رسالة في العقيدة ـ للدكتور على جريشة ـ دار البشير ـ طنطا (ص: 47 ـ 49)