فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 249

ـ وفي معارج القبول: (( من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك لم يعنوا مجرد التصديق فإن إبليس لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفرا واستكبارا واليهود كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه و سلم ولم يتبعوه وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينفذ بل جحد بآيات الله ظلما وعلوا ) ) [1] ، فالكفار عندهم يقين نظري بأن الله هو الخالق وليس هذا يقينا حقيقيا لأنه لم يؤدي إلى إذعان وخضوع، وكذلك أبو طالب يوقن بأنه لا إله إلا الله لكنه يقين نظري وليس هذا يقينا حقيقيا لأنه لم يؤدي إلى إذعان وخضوع.

ـ ويقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون بل التوحيد يتضمن من محبة الله والخضوع له والذل وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له وإرادة وجهة الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها ومن عرف هذا عرف قول النبي: إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، وقوله لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله، وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس ... وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام كقوله: من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه أو غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وليس هذا مرتبا على مجرد قول اللسان، نعم من قالها بلسانه غافلا عن معناها معرضا عن تدبرها ولم يواطئ قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها راجيا مع ذلك ثوابها حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ) ) [2] .

ـ فالتصديق والإيمان الحقيقي لابد أن يكون معه مشاعر: [[الإيمان بالله ليس ـ فقط ـ معرفة نظرية واقتناعا عقليا نظريا به سبحانه، بل لابد أن يتبع ذلك ميل قلبي وتفاعل، واتجاه لمشاعر الحب نحوه سبحانه، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) [3] ]] [4] .

ـ لا تتحقق التقوى بغير الخوف من الله، ولن ينجو الإنسان من النار إلا إذا كان من المتقين: (( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) ) [5] .

ـ وعد الله المؤمنين بالتمكين في الأرض: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) ) [6] ، وجعل الخوف من مهابة الله والخوف من عقابه شرط للتمكين: (( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) ) [7] ، إذن فلا يتحقق الإيمان بغير الخوف من الله.

ـ التعامل مع المعلومات المؤثرة (ومنها العقيدة) يستلزم تأثر المشاعر والهموم والأهداف، وهذا أمر فطري، فالذي يرى الأسد ويوقن تماما بأنه أسد فإنه يخاف منه، والذي يرى شيئا جميلا فإنه يحبه، والذي يقف عند ملك من ملوك الدنيا فإنه يخاف من مهابته، وهكذا، ولكن حيث أن الله وحده الملك ووحده النافع الضار فلا يخاف غيره ولا يحب سواه إلا ما هو خارج عن إرادة الإنسان من أمور الفطرة، فإذا أخبرك إنسان بأن أباك قد مات فإنك تحزن، وهكذا.

ـ الأدلة على أن الخوف من الله والخوف من ثوابه وعقابه (الخوف من الآخرة) شرط للإيمان:

1ـ قال تعالى: (( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى )) [8] ، (( جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) ) [9] ، ((

(1) معارج القبول ـ دار ابن القيم - الدمام (ج: 2، ص: 594)

(2) مدارج السالكين ـ دار الكتاب العربي - بيروت (ج: 1، ص: 339)

(3) الحجرات: من الآية 7

(4) بناء الإيمان من خلال القرآن ـ مجدي الهلالي ـ مؤسسة إقرأ للنشر والتوزيع والترجمة (ص: 9، 10)

(5) مريم: 72

(6) النور: 55

(7) إبراهيم: 14

(8) النازعات: 40، 41

(9) البينة: 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت