فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 285

الوسوسة بمعناها الحقيقي أو بعيدًا عنه، ونحن في بحثنا هذا - كما تعهدنا - نسوق الحقيقة القرآنية التي تنطق بها الآيات - بقدر طاقتنا البشرية - بغض النظر عما قيل وعما يقال إذا كان بعيدًا عن تلك الحقيقة القرآنية، وتعال بنا نتدبر آيات الله عز وجل لنرى موقع الوسوسة من الخطوات:

يقول تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} [1] فالسياق هنا يذكر الوسوسة أولًا، ولكنه يواصل بيان ما حملته تلك الوسوسة وهو قوله لآدم: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) فليست الوسوسة أبدًا هي هذا القول الذي به بدأت خطوات الشيطان مع آدم، بل هي الوسيلة التي من خلالها وصل هذا القول إلى آدم، وقد حُذِف هذا القول في موضع الأعراف حيث يقول تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ... } [2] ف (ل) التعليل هنا (ليبدي) جاءت لتبيّن علة الوسوسة ومراد الشيطان، ولكنه حذف القول الموضح للوسوسة هنا وأظهره في سورة طه، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، أما الموضع الثالث الذي ذكرت فيه الوسوسة وهو {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [3] فيجلي فيه حرف الظرفية (في) كيفية الوسوسة وأنها وسيلة لإلقاء الخطوات، فهو يوسوس فيرسل ما يريد من كلام وخواطر إلى الصدر عبر هذه الوسوسة، والحق أن استخدام كلمة الوسوسة له خصيصة ذات دلالة مميزة فليس خطاب الشيطان في النفس مباشرًا يلقي خلاله كلماته من تزيين وتسويل وتمنية إلى عقل المتلقي، بل هي همسات خفية يسميها علماء النفس خواطر تجد طريقها إلى النفس دونما شعور من المتلقي فتتسلل إلى بواعث خفية داخله وتخاطبه من أعماقه ولذا يسميها علماء النفس أحيانًا بحديث النفس.

تعريف الوسوسة: وكيفيتها

الوسوسة صفة ملازمة للشيطان، لا تفارقه في كل حالاته لذا فقد سمي بها (الوسواس الخناس) كما وصفه الحق سبحانه في سورة الناس يقول ابن عباس في هذه الآية:"الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سهى وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس" [4] وقد منع بعض المتكلمين والفلاسفة الدخول الحقيقي للشيطان في جوف الإنسان كي يلقي إليه بالوسوسة، ولا يُلتفت إلى ذلك إذ إنه من الثابت في الصحيح أن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم، فقد أخرج البخاري عن صفية بنت حيي قالت"كان رسول الله معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة ابن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا فقال النبي على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله قال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا أو قال شيئا" [5]

يقول الألوسي:"ولا مانع عقلًا من دخوله (أي الشيطان) في جوف الإنسان، وقد ورد السمع به كما سمعت فوجب قبوله والإيمان به، ومن الناس من حمله على التمثيل وقال في الآية: إنها لا تقضي الدخول كما ينادي عليه البيان الآتي. وقال ابن سينا: الوسواس القوة التي توقع الوسوسة وهي القوى المتخيلة بحسب صيروريتها مستعملة للنفس الحيوانية ... ونحوه ما قيل إنه القوة الوهمية فهي تساعد العقل في المقدمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه، ولا يخفى أن تفسير كلام الله تعالى بأمثال ذلك من شر الوسواس الخناس" [6] ، ويصف القاضي بدر الدين الشبلي كيفية وقوع تلك الوساوس في ضوء تفسيره لسورة الناس فيقول:"وقوله {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [7] صفة ثالثة للشيطان فذكر وسوسته أولًا ثم ذكر محلها ثانيًا في"

(1) - سورة طه، الآية 120

(2) - سورة الأعراف، الآية 20

(3) - سورة الناس، الآيتان 5، 6.

(4) - الدر المنثور - للسيوطي - ج 8 - ص 694.

(5) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب: صفة إبليس وجنوده - ص 265 - ح 3281.

(6) - روح المعاني للألوسي - ج 6 - ص 512.

(7) - سورة الناس، الآية 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت