مُضِلٌّ مُبِينٌ [1] ،"والمعنى أن الشيطان أوقد غضبه حتى بالغ في شدة الوكز. وإنما قال موسى ذلك لأن قتل النفس مستقبح في الشرائع البشرية، فإن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها ... فلما كان الشيطان عدوًا للإنسان وكانت له مسالك إلى النفوس، استدل موسى بفعله المؤدي إلى قتل نفسٍ، إنه فعل ناشئٌ عن وسوسة الشيطان ولولاها لكان عمله جريًا على الأصول المأذونة" [2] .
وقد انتشرت هذه الغاية الإبليسية في مجتمعات الأرض في قديم وحديث انتشار الجراد في الحصيد، فأصبحت هي السمة المسيطرة على كثير من الأزمان وهذا زماننا خير شاهد على تبنُّك [3] الشيطان على رؤوس كثير من العباد، فانطلقوا يعبثون في أرواح الناس بالقتل، والذبح، والإبادة الجماعية، ورأينا أضرُبًا من القتل تقشعرُّ لها الأبدان، وتتفطر لها القلوب، وصار داعيَ الحروب فاغرًا فاه في كل نادٍ، ينعق على أهله بالخراب، وكل ذلك بدفع من شياطين الجن والإنس، ورضا من أوليائهم وأذنابهم.
الشيطان هو الباطل، ولا يعيش الباطل ويترعرع إلا في ظل غياب الحق، فإذا أراد الحق أن يرفع لواءه ويُعلي رايته فيضرب الباطل عن طريق الجهاد في سبيل الله، جيَّش إبليس جنوده بكل ما أوتوا من وسائل في الإغراء والإضلال كي يفتوا في عضد المجاهدين، ويقنطوهم من هذه الحرب، وأنْ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وما ذاك الذي أخرجكم من دياركم؟ تركتم المال والأهل والولد والراحة والدعة والسكن، وخرجتم في هلكتكم، فلا يزال يوسوس، ويخوّف، ويزين، ويمنّي حتى يضعف المجاهد ويجبُن، وتسيطر عليه الدنيا، فيرتكب تلك المعصية العظيمة لربه، والتي هي الغاية العظيمة لعدوه، الفرار من العدو يوم زحف المسلمين عليه،
(1) - سورة القصص، الآية 15.
(2) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - م 10 - ج 20 - ص 90.
(3) - البنك: أصل الشيء وخالصه، وتبنك بالمكان: أقام فيه - لسان العرب - لابن منظور - ج 10 - ص 403.