فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 285

لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ... [1] " (ليبدي) : ليظهر لهما ما سُتر وغُطّي بأن جُعِل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه، والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بالشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله (ينزع عنهما لباسهما) ، (من سوءاتهما) أي المواضع التي يسوءهما انكشافها، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب البعد من الجنة" [2] قال وهب بن منبه:"كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما، ولا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما" [3] .

وبعد هذا المشهد العلوي، تبدأ سلسلة هامة من النصائح الربانية لبني آدم يحذرهم فيها من الشيطان عدوِّهم الأول، وتبدأ هذه السلسلة من النصائح بما انتهى عنده المشهد في الجنة، فيخبرهم تعالى بأنه أنعم عليهم بما يستر عورتهم من اللباس والريش إلى جانب اللباس الأعظم لباسِ التقوى، فهو السلاح الأقوى في مواجهة الشيطان وسعيه الحثيث إلى كشف عورات بني آدم كما سعى قبلُ إلى كشف عورة أبويهم، ومن هنا تظهر خطورة هذه الخطوة إذ يفتتح بها الحق سبحانه مجموعة وصاياه لأبناء آدم، بل لا يقتصر الأمر على الافتتاح، بل هو يثنّي بالحديث عن نفس الأمر مبيِّنًا ومحذرًا فيقول: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [4] "يا بني آدم لا يخدعنّكم الشيطان فيُبدي سوءاتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم، كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهم فأطاعاه وعصيا ربهما، فأخرجهما بما سبب لهما من مكره وخدعه من الجنة، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس، ليريهما سوءاتهما بكشف عوراتهما، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستّرة" [5] ، ويتحدث صاحب الظلال عن هذه النداءات الربانية ويقف عند هذا النداء قائلًا:"إنه النداء الثاني لبني آدم، في وقفة التعقيب على قصة أبويهم، وما جرى لهما مع الشيطان؛ وعلى مشهد العري الذي أوقعهما فيه عدوهما، بسبب نسيانهما أمر ربهما والاستماع إلى وسوسة عدوهما ... أما هذا النداء الثاني فهو التحذير لبني آدم عامة وللمشركين الذين يواجههم الإسلام في الطليعة، أن يستسلموا للشيطان، فيما يتخذونه لأنفسهم من مناهج وشرائع وتقاليد؛ فيُسلِمُهم إلى الفتنة - كما فعل مع أبويهم من قبل إذ أخرجهما من الجنة ونزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما - فالعري والتكشف الذي يزاولونه - والذي هو طابع كل جاهلية قديمًا وحديثًا - هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية، وتنفيذ لخطة عدوهم العنيدة في إغواء آدم وبنيه؛ وهو طرف من المعركة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه. فلا يدع بنو آدم لعدوهم أن يفتنهم؛ وأن ينتصر في هذه المعركة، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف" [6] .

لقد أدرك الشيطان منذ اللحظة الأولى ما للمرأة من أهمية في صلاح المجتمع، إن هي سارت على منهج الله، وما لها في المقابل من شديد الخطر على إفساد المجتمع، إن هي سارت في طريقه، فاتخذها جنديًا رئيسًا من جنوده حيث استغل ما لها من فتنة، وقدرة على الإغواء إذا بعدت عن منهج الله فعن الحسن بن صالح [7] قال:"سمعت أن الشيطان قال للمرأة: أنتِ نصف جندي، وأنتِ سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنتِ موضع سرّي، وأنتِ رسولي في حاجتي" [8] .

(1) - سورة الأعراف، الآية 20.

(2) - نظم الدرر - للبقاعي - ج 3 - ص 16.

(3) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 6 - ص 275.

(4) - سورة الأعراف، الآية 27.

(5) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 8 - ص 193.

(6) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 3 - ص 1279.

(7) - هو: الحسن بن صالح بن حي، وهو حيان بن شُفىَّ الهمداني، ثقه فقيه عابد، رُمي بالتشيع، من الطبقة السابعة- تقريب التهذيب - لابن حجر - ترجمة 1250 - ص 161.

(8) - تلبيس إبليس - ص 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت