إياها، ومكّنهم من تنفيذ بعض مراداتهم ممّا يدخل ضمن استطاعة قدراتهم، فيما سخر لهم في كونه، فالإنس قد يمكرون ويكيدون ويوسوسون بأسباب خفية أو ظاهرة، لإنزال الشرّ أو الضّرّ أو الأذى، فيمَن يكيدونه، وهذا من لوازم التخيّير والتمكين والتسخير، للابتلاء في ظروف الحياة الدنيا. والجن قد يفعلون مثل ذلك، بأسباب خفية مكّنهم الله منها، وسخر لهم، غير أسباب الإنس، وهذا من لوازم التخيّير والتمكين والتسخير. والشياطين وهم كفرة الجن ومردتهم قد يوسوسون، ويُغرون، ويسوّلون إطماعًا بالباطل، لدفع النّاس بوساوسهم، وإغراءاتهم وتسويلاتهم إلى الكفر والفسوق والعصيان وهذا من لوازم التخيّير والتمكين والتسخير" [1] ."
ويفصّل الدكتور حسن الشرقاوي في علاقة الوسواس بالإرادة من وجهة النظر الإسلامية فيقول:"ينظر أئمة الإسلام إلى الوسوسة إلى أنها نتاج حديث النفس وأمانيها وأحلامها في الشهوات واللذات، توقد نارها الغفلة ونسيان الحق، ويزيد سعيرها الشيطان، وذلك بتحسين الأفعال والأعمال، وما يفتأ يزيد لهيبها حتى ينحرف الموَسوَس إلى الغواية والضلال ويرتكب أفحش الأعمال ويسقط في النهاية صريع الفتنة، وإذا اعتاد الإنسان على الغفلة أصبحت الوسوسة طبعه الغالب واستمرأ ذلك الطريق ... [2] ."
وقد أفصح اللعين عن هذه الحقيقة التي تخبط فيها كثير من أتباعه في الدنيا وذلك على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حيث ينقل عنه رب العزة قوله للناس: { ... وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ... } [3] ، فهذا براء صريح من وجود أي سلطان أو قوة قهرية أو خفية للشيطان على الإنسان مهما كثرت عليه الوساوس، بل إن الإنسان هو من يُسلِم نفسه لإبليس ووساوسه بالابتعاد عن حياض الله سبحانه وتعالى والعوذ به.
ويعالج علم النفس الإسلامي مرض الوسواس بغير الطرق المستخدمة في علم النفس الحديث، فالأصل في الوسواس عند الأئمة أنه شيطان رجيم يدخل إلى صدر العبد الذي يوسوس له. فإذا ذكر الله خنس الشيطان وخرج من صدره ... والشيطان يزيّن للعبد طريق الضلالات ويحسن له سبيل العصيان ويخدعه بوسوسته، إلاّ أنه لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك لقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ... } [4] [5] .
(وحي) : الواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء أو غيره إلى غيرك، فالوحي: الإشارة، والوحي: الكتاب والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان [6] .
وقد ورد الوحي مرتبطًا بالشيطان وأوليائه في كتاب الله في موضعين، يقول سبحانه وتعالى في أولاهما: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنس وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... } [7] .
أما الموضع الثاني فقوله تعالى: { ... وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ... } [8] "أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزيّن المزخرف، وهو المزوّق الذي يغترّ سامعه من الجهلة بأمره." [9] ، وقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس في الآية:"قال إن للجنّ شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلقى شيطان الإنس وشيطان الجن، فيقول"
(1) - معارج التفكر - للميداني - ج 2 - ص 46، 47.
(2) - انظر: نحو علم نفس إسلامي - لحسن الشرقاوي - ص 131.
(3) - سورة إبراهيم، الآية 22
(4) - سورة ق، الآية 16.
(5) 2 - انظر: نحو علم نفس إسلامي - لحسن الشرقاوي - ص 131.
(6) - معجم المقايس في اللغة - لابن فارس - ص 1085.
(7) - سورة الأنعام، الآية 112.
(8) - سورة الأنعام، الآية 121.
(9) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 6 - ص 143.