وهذا الجدال من قبل الشيطان وأتباعه مبني على الجهل وعدم العلم الصحيح، بل هو علم مضلَّل باطل يقول الطبري:"يعني بقوله (من يجادل في الله بغير علم) : من يخاصم في الله، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء مَن قد بلى، وصار ترابًا، بغير علم يعلمه، بل بجهل منه بما يقول. (ويتبع) في قيله ذلك، وجداله في الله بغير علم (كل شيطان مريد) " [1] .
وهذه صفة مهمة في درب اتباع الشيطان، يصنعها الشيطان في أوليائه، ليغويهم به، ويغريهم بأهل الحق، فالشيطان يحتاج في حربه على الحق وأهله أتباعًا بعيدين كل البعد عن الخير والحق والإيمان، ولا يتأتى ذلك فيهم إلا بزيادة اغترارهم بباطلهم الذي اتبعوا، فلا يرون غيره صوابًا، ويلج الشيطان اللعين إلى نفس أتباعه من مدَّخلٍ يتميز البشر فيه بالضعف، ألا وهو: حب الذات والظهور فيبدأ اللعين يوسوس لأتباعه ويوحي إليهم بأنهم على حق، وأنهم الأفضل والأقوى وما عليهم إلا أن يبدأوا الحرب على المؤمنين بكل قوة وكِبر وغرور، بل إن الحق سبحانه سمَّى الشيطان غَرورًا: أي يخدع أعداءه ويُغَرِّر بهم يقول تعالى: { ... إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ} [2] "قراءة العامة هنا وفي سورة الملائكة والحديد بفتح الغين وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره وهو الذي يغر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة" [3] .
ولقد رسم الله هذه الصورة للشيطان وأتباعه المغرورين مع أهل الإيمان، وذلك قبيل معركة أحد، حيث يقول تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [4] ،"أي يخوفكم أولياءه ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة" [5] ، وقد بين الطبري هذا المعنى فقال:"إنما الذي قال لكم"
(1) - جامع البيان - للطبري - م 10 - ج 17 - ص 149
(2) - سورة لقان، الآية 33.
(3) -جامع البيان - للطبري - م 8 - ج 14 - ص 72.
(4) - سورة آل عمران، الآية 175
(5) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 3 - ص 275