مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ... [1] "فتفريقه بين المرء وزوجه: تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخصًا آخر على خلاف ما هو به في حقيقته من حسن وجمال حتى يقبحه عنده، فينصرف بوجهه ويعرض حتى يُحدث الزوج لامرأته فراقًا، فيكون الساحر مفرقًا بينهما بإحداثه السبب الذي كان منه فُرْقة ما بينهما" [2] .
وقد بين تعالى بعض ما تقع به العداوة والبغضاء بين الناس، مما سنذكره بعد قليل، فقال في شأن الخمر والميسر {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... } [3] "أعلم الله عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذرنا منها ونهانا عنها" [4] .
أم الخبائث، خير وصف لشرِّ موصوف، نعم، هي كذلك كما وصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - أمٌ للخبائث، أي خطوة كبرى لما بعدها من جرائم ومحرمات تتسبب هي فيها، وهي في حد ذاتها غاية للشيطان يوقع أعداءه فيها، وقد ربط الحق سبحانه بين شرب الخمر وأخواتها، وبين الشيطان ربطًا صريحًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [5] "والرجس: الخبث المستقذر والمكروه من الأمور الظاهرة، ويطلق على المذمات الباطنة، ومعنى كونها - أي الخمر - من عمل الشيطان، أن تعاطيها بما تُتعاطى لأجله من تسويله للناس تعاطيها، فكأنه هو الذي عملها وتعاطاها، وفي ذلك تنفير لمتعاطيها بأنه يعمل عمل الشيطان، فهو شيطان، وذلك ما تأباه النفوس" [6] .
(1) - سورة البقرة، الآية 102.
(2) - جامع البيان - للطبري - م 1 - ج 1 - ص 607
(3) - سورة المائدة، الآية 91.
(4) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 6 - ص 291.
(5) - سورة المائدة، الآية 90.
(6) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - م 4 - ج 7 - ص 24.