وتأخذ هذه الغاية الشيطانية صورًا شتى في عالمنا المحموم بالغايات الشيطانية، فليست هذه الغاية بأسوأ حالًا من سابقتها، فقد انتشرت في عالم المسلمين انتشار النار في الهشيم، تحت ما يعرف بعلم التنجيم، فأولاء كانوا يطلبون معرفة القدر من الأقداح، وهؤلاء يطلبون معرفة القدر من النجوم والأبراج، هذا بالإضافة إلى العرافين والكهنة الذين لا يزالون موجودين في أيامنا هذه بشكل ملحوظ في بعض البلاد الإسلامية، يقول شارح العقيدة الطحاوية:"المنجم يدخل في اسم - العراف - عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه" [1] ، فقد انتشر ما يسمى بعلم الأبراج في شتى أرجاء المعمورة، ولم يترك بيتًا من بيوت المسلمين إلا دخله إما عن طريق المجلة أو المذياع أو التلفاز وجذبت هذه الغاية الشيطانية كثيرًا من الناس إليها فوقعوا في ما حرم الله من سؤال المنجمين واستطلاع الأبراج، فخسروا قبول أربعين صلاة، هذا على مستوى السائلين، أما المصدقين، وهم ليسوا بالقليل، فجزاؤهم خطير، فهم بهذا التصديق يقعون في الغاية الكبرى للشيطان في الدنيا، وهي الكفر بالله تعالى، فكم خطيرة هي تلك الغاية الشيطانية، وكم جاهل هو ذاك الذي يسير في درب الشيطان ويتأسى به من حيث علِم أم لم يعلم.
ثانيًا: الصد عن الصلاة وذكر الله:
وتأتي هذه الغاية كنتيجة لسابقتها وهي الاستقسام بالأزلام، وكنتيجة لغايات أخرى من شرب للخمر، ولعب للقمار - والتي سنتحدث عنها في المطلب الثالث من هذا المبحث -، فهذه أمور يسلب بها الشيطان عقل الإنسان ووقته، فيصرفه عن الهدف الذي خُلِق من أجله، عبادة الله، المتمثلة في ذكره سبحانه في كل وقت وحين، وإقام الصلاة له، وقد بين تعالى هذه الغاية في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [2] "ووجه صد الشيطان لهم بذلك عما ذُكِر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وأن الميسر إن كان اللاعب به غالبًا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلب والقهر والكسب عما ذُكِر، وإن كان مغلوبًا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبًا فلا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، وقد شاهدنا كثيرًا ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجج والحلف الكاذب والغفلة عن الله تعالى ما ينْفر منه الفيل وتكبو له الفرس،" [3] .
رحم الله الألوسي، اغتم واهتم لما رأى في زمانه، فكيف بك إذ رأيت ما حل بأمتنا اليوم من تضييع للصلوات، بل وغفلة تامة عن ذكر الله، وانغماس وانهماك في الملهيات فلا يكاد الواحد منهم يذكر ربه حتى بلسانه ولو للحظة واحدة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ..." [4] .
وتلك غاية أخرى من غايات الشيطان في البشرية، فهو لا يزال يوغر صدور الخلق على بعضهم البعض، ويزين لبعضهم حب السيطرة وإزالة كل من يقف في طريقهم بهذه الغاية، القتل، تلك المعصية العظيمة لله تعالى، وهي أول خطيئة وقعت على وجه الأرض حين سول إبليس - في أول تحدى عملي له ضد آدم وذريته بعد هبوطهما إلى الأرض - لأحد ابني آدم أن يقتل أخاه بغير وجه حق، وفي هذا يقول تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ
(1) - المرجع السابق - ص 502.
(2) - سورة المائدة، الآية 91.
(3) - روح المعاني - للألوسي - ج 5 - ص 239، 240.
(4) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله - ح 2887 - ص 232.