لا يعد هذا الجنس من البشر أكثر أتباع الشيطان فحسب، بل إن أكثرهم هم الشياطين بعينهم، ولذلك ورد ذكرهم والتنفير منهم في أول سورة البقرة، مطلع كتاب الله عز وجل حيث وصفهم الله بالشياطين، حيث إنهم هم أسياد الكفار والمنافقين الذين يفضون إليهم بالولاء والكفر، فهم المقصودون بقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [1] أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال:" (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضهم، قالوا: إنا على دينكم، وإذا خلوا إلى أصحابهم - وهم شياطينهم - (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ، وعن ابن عباس: وإذا خلوا إلى شياطينهم من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب)" [2] وقد بينهم ابن عباس حيث قال:"وهم خمسة نفر من اليهود: كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له" [3] فهذا الذي نقل الطبري بعضُ أقوال أهل التأويل في الشياطين، ولا يعني كون اليهود أكثرهم شياطين أنهم لم يتبعوها بل إنهم الأكثر اتِّباعًا لها، فمنهم من ارتقى في سلم الاتباع فانتقل من الذيل إلى الرأس فصار شيطانًا، ومنهم من بقي تابعًا لأسياده، ولذلك تجد القرآن الكريم يخبر أنهم اتبعوا الشياطين في صنعة السحر، كمثال على إغراقهم في اتباع الشيطان يقول تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت ... } [4] يقول الطبري:"يعني بقوله: (واتبعوا ما تتلو الشياطين) الفريق من أحبار اليهود وعلمائهم الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى وراء ظهورهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه عليه الصلاة والسلام، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين" [5] .
ويتبع اليهودَ في هذه الولاية للشيطان النصارى، على أن كثيرًا منهم ضالون يتبعون الشيطان ولا يصلون إلى حد المكر والتحول من التبعية إلى العتو والتمرد والإغواء، وهذا ما تقرره سورة الفاتحة التي وصفت اليهود بالمغضوب عليهم لشدة مكرهم وكثرة شياطينهم، والنصارى بالضالين لغفلتهم وتيههم.
وفي كل زمان ومكان وعلى مر الأزمان وفي خضم الصراع بين الحق والباطل، وبين الشيطان والإيمان تظهر فئة تبيع نفسها للشيطان، ولكن على خوف، أو مكر لأهل الإيمان فتسر الولاء للشيطان في القلوب، وتظهر الإيمان على الألسنة، هؤلاء هم المنافقون الذين اتبعوا الشيطان، ولشدة خطر هذه الفئة على المسلمين قرنهم الله تعالى باليهود في مطلع كتابه العزيز حين تحدث عن هذه الظاهرة المقيتة، حيث يأخذ المنافقون أوامرهم من أسيادهم من الشياطين، ويظهرون الإيمان كذبًا على المؤمنين، يقول تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [6] "يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار ..." [7] وقد أسهب الطبري في وصف هذا الموقف فقال:"هذه الآية نظيرة الآية الأخرى التي أخبر الله جل ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسوله والمؤمنين، فقال: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) ثم أكذبهم تعالى ذكره بقوله: (وما هم بمؤمنين) وإنهم بقيلهم ذلك يخادعون الله والذين آمنوا. وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون"
(1) - سورة البقرة، الآية 12
(2) - جامع البيان - للطبري - م 1 - ج 1 - ص 169، 170
(3) - معالم التنزيل - للبغوي - ج 1 - ص 89
(4) - سورة البقرة، الآية 102
(5) - جامع البيان - للطبري - م 1 - ج 1 - ص 583
(6) - سورة البقرة، الآية 12
(7) - معالم التنزيل - للبغوي - ج 1 - ص 89