، فتفكّر العابد فيما قال، وقال: صدق الشيخ، لستُ بنبيّ فيلزمني قطع هذه الشجرة، ولا أمرني الله أن أقطعها، فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له، ورجع العابد إلى متعبده فبات، فلما أصبح وجد دينارين، وكذلك اليوم الثاني، وأصبح الثالث والذي بعده فلم يجد شيئًا، فغضب وقصد إلى الشجرة ليقطعها، فلقيه إبليس ثانية على هيئة الشيخ، فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، ولكن إبليس صرعه وقال: لتنتهينَّ عن هذا الأمر أو لأذبحنّك فقال له العابد: لقد غلبتني فخلِّ عني وأخبرني كيف غلبتُك أولًا وغلبتني الآن؟ فقال: لأنك غضبت أول مرة لله وكانت نيّتك الآخرة فسخرني الله لك، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك" [1] ."
مرّ بنا قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [2] ، في معرض الحديث عن حبّ الدنيا، ولكننا نقف هنا وقفة تأمل وتدبر لفاصلة الآية (مستبصرين) فهي تدل على أن هؤلاء الأقوام كانوا أولي ألباب وبصائر، وقد وهبهم الله دقة النظر والتفكير يقول الفراء:"كانوا عقلاء ذوي بصائر" [3] ، ويقول الزمخشري:"وكانوا مستبصرين عقلاء متمكنين من النظر والافتكار، ولكنهم لم يفعلوا أو كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم لأن الله تعالى قد بين لهم ... على ألسنة الرسل عليهم السلام، ولكنهم لجوا حتى هلكوا" [4] ، فهذان قومان من أكبر وأشهر الأقوام البائدة، يمنحهم الله العقل وسداد النظر، فيأتيهم الشيطان من هذا الباب، باب العقل، فيغريهم بعقولهم فيلجِّوا ويجادلوا فيهلكوا، وما أريد أن أقوله أنّ هذا باب كبير واسع من أبواب تزيين الشيطان العمل للإنسان، فكم من علماء
(1) - انظر: إحياء علوم الدين - للغزالي - ج 3 - ص 907
(2) - سورة العنكبوت، الآية 38.
(3) - تفسير البغوي - ج 3 - ص 467.
(4) - الكشاف - للزمخشري - ج 3 - ص 458.