وينقل الرازي عن الزجاج أحد تأويلين في قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ... } [1] فيقول:"اختلفوا في المراد بقوله تعالى (فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) وذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: زينوا لهم ما بين أيديهم من الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا أن الدنيا قديمة، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك ..." [2] .
وهذا التزيين للدنيا يقود إلى التنفير من الدين وأهله يقول تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... } [3] فتحسين الدنيا في قلوب هؤلاء الكفار قادهم بالتالي إلى بُغض أهل الإيمان والسخرية منهم.
وقد ساق الغزالي قصة في تنفير الشيطانِ الدعاةَ عن الدعوة إلى الله، وفي المقابل تزيين الدنيا لهم كي تصرفهم عن دعوتهم، وأرى أنه من المفيد أن أذكر هذه القصة باختصار لنرى مثالًا حيًا لتزيين العمل والتنفير من الحق.
ذكر الغزالي في الإحياء أن عابدًا كان يعبد الله دهرًا طويلًا، فبلغه أن أناسًا يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فغضب لذلك وقصد إلى الشجرة ... ليقطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال: ماذا تريد؟ قال: أريد قطع الشجرة، فقال: تترك عبادتك لشأن ما لك فيه، فقال: إن هذا من عبادتي، فقاتله إبليس كي لا يقطعها فصرعه العابد وجلس على صدره، فقال إبليس: اتركني كي أكلمك، فتركه فقال: ما كلفك الله بهذا، بل إن لله أنبياء لهذا الغرض ولو شاء لبعثهم لقطعها، قال العابد: لا بد من قطعها فصرع إبليس مرة أخرى، فعاوده التوسل ليكلمه فقال له: أنت رجل فقير لا تجد ما يعولك وتحب أن تتفضل على إخوانك، قال نعم، قال فارجع عن هذا ولك عليَّ أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين، تنفق على نفسك وعيالك وأصدقائك فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع الشجرة
(1) - سورة فصلت، الآية 25.
(2) - التفسير الكبير - للرازي - م 14 - ج 27 - ص 103.
(3) - سورة البقرة، الآية 212.