أ في آيتي الأعراف وفصلت تعدى فعل (نزغ) إلى مفعوله بنفسه (ينزغنك) فيكون النزغ في نفس المنزوغ به لا يتعداه إلى غيره، وهنا يكون النزغ بمعنى الغضب وإثارته في النفس، وهذا المعنى ظاهر ومتناسق مع سياق الآيات في الموضعين حيث تحدثتا عن العداوة الناشئة عن الغضب وعن مقابلتها بالصفح الجميل.
ب أما في الموضعين الآخرين لورود النزغ، سورتي يوسف والإسراء، فجاء الفعل متعديًا إلى مفعوله بالظرف (بين) ليدلّ على أن النزغ هنا حاصل بين طرفين، فلا يكون بمعنى إثارة الغضب في النفس، بل يتعدى هذا المعنى - وإن كان أساسًا له - ليفيد إثارة العداوة، وإيقاع الإفساد بين شخصين أو أكثر، وهذا المعنى هو الذي سنتحدث عنه في فصل الغايات عند حديثنا عن غاية إبليس الخبيثة في إثارة الفتن في المجتمع.
2 -التدرج اللغوي بين كلمات (همز) و (نزغ) و (أز) ، فكلاها يحوي حرف الزاي الدالّ على الإزعاج والاهتزاز، وهذا المعنى متحقق في بوادر الغضب عند الهمز، وفي الغضب عند النزغ، وفي شدة الغضب والتعصب عند الأز، ثم يأتي التدرج في المعنى فيبدأ بالهمز والذي هو بداية مرحلة الغضب فإلى جانب الزاي الدالة على الإزعاج والاهتزاز، تحمل هذه الكلمة حرف الهاء الدال على الخفاء والضعف، ثم يرتقي التدرج إلى النزغ حين يقع الغضب بدوافعه فتذهب الهاء بخفائها وتأتي الغين بجهرها، ثم يستمر التدرج ليصل إلى أوجه بزيادة شدة الزاي في الكلمة الثالثة بالتضعيف مما يوحي بشدة المعنى عما حملته الكلمة الثانية (نزغ) وهذا هو التدرج حيث يبدأ الأمر بتحريك الغضب ثم بحصوله، ثم إذا استمر هذا الغضب صار سجيتةً لصاحبه تستثيره كلما ورد عليه ما يغضبه فيتحول الأمر إلى تعصب للباطل طبعًا، فيصير صاحبه وكأنما له ارتجاج وثوران عند ذكر هذا الأمر له.
وهذه هي المرحلة الأشد والأعنف على الإنسان، حيث ينتقل الشيطان من السيطرة الآنية أو الضعيفة على أعدائه إلى السيطرة الأقوى المسلطة على الجسد خاصة، وقد ورد هذا المسّ في كتاب الله في ثلاثة مواضع ارتبطت بالشيطان، وقد كان هذا الموضوع مثار جدلٍ كبير بين العلماء ما بين مثبت ونافٍ له، وهذا الأمر مبسوط في كتب العقائد، يقول ابن تيمية:"دخول الجن في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [1] ، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) [2] وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: (قلت لأبي: إن أقوامًا يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يا بني يكذبون، هذا يتكلم على لسانه" [3] ، وسنتحدث في هذا البحث عما يتصل بوجهة نظر القرآن فيه، حيث يأتي هذا المس على ضربين أولاهما التأثير النفسي وثانيهما التأثير البدني، وقبل أن نفصل في هذين الضربين نذكر المعنى اللغوي للمس كي نستقي منه المعاني القرآنية بعد ذلك:
المسُّ: مسِسته بالكسر أمَسُّه مسًا ومسيسًا: لمسته، والمسُّ مسك الشيء بيدك، ومسُّوا منها: أي خذوا منها الماء وتوضئُوا، والمسّ الجنون، ورجل ممسوس: به مسٌّ من الجنون، ومُسْمِسَ الرجل إذا تخبّط، ومسّ المرأة وماسّها: أي أتاها [4] .
أولًا: المسُّ النفسي:
وهذا المس هو ما ضرب الله له مثالًا بأيوب - عليه السلام - حيث يقول {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [5] "أي:"
(1) - سورة البقرة، الآية 285.
(2) - سبق تخريجه - ص 110
(3) - مجموع الفتاوى - لابن تيمية - ج 24 - ص 276.
(4) - لسان العرب - لابن منظور - ج 6 - ص 216، 217.
(5) - سورة ص، الآية 41.