والمعنى خلينا بينهم وبينهم، ولم نمنعهم ... والمراد تعجيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار وأقاويلهم وملاحتهم ومعاندتهم للرسل واستهزائهم بالدين من تماديهم في الغي، وإفراطهم في العناد، وتصميمهم على الكفر، واجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه وانتفاء الشك عنه" [1] ."
ونلاحظ هنا أن الأز يكتسب معنى زائدًا على إثارة الغضب، بل هو غضب قوي مستمر لا ينقطع، غضبٌ صار لصاحبه ديدنًا فكلما ورد عليه شيءٌ من الحق اشتعل رأسه وعقله بالوساوس الشيطانية والفكر الباطل فتثور ثائرة العقل عنده وينطلق لسانه بالفحش والكيد، وهذا ما نسميه اليوم بالتعصب الأعمى لفكرة أو مذهب أو رأي دونما دليل بيّن أو حجة واضحة، وهذا باب واسع الانتشار في عالمنا اليوم، فحقًا هي شياطين تؤز الكافرين إليه أزًا، يقول ابن عاشور:"شبّه اضطراب اعتقاداتهم وتناقض أقوالهم واختلاق أكاذيبهم بالغليان في صعود وانخفاض وفرقعة وسكون" [2] ، فهذا وصف دقيق لحالهم ولأجسادهم المضطربة وعقولهم المتأججة وتخبطهم في غيّهم، وهو - أي الأز - داخل في معنى النزغ بل ويزيد عليه استمرارية وعمقًا، وهو داخل في معنى التهييج الجسدي، كما أسلفنا في هذه الخطوة، فإنك ترى الواحد من هؤلاء المعاندين المجادلين أهل الباطل وهو يهتز ويضطرب في حجاجه ولجاجه وكأنما يحركه شيطان، وهو فعلًا يحركه شيطان ذاك الذي أخبر عنه رب العزة في الآية.
استنباطات مهمة:
1 -من خلال تتبع السياق القرآني لكلمة (نزغ) تبيّن أن هذه الكلمة تأتي على هيئتين: أحدهما متعدية إلى مفعولها بنفسها، والأخرى متعدية إلى مفعولها بالظرف (بين) ، وفي الأمر إذًا تفصيل:
(1) - الكشاف - للزمخشري - ج 3 - ص 126.
(2) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - م 8 - ج 16 - ص 165.