فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 285

التعبير القرآني"خطوات الشيطان":

لقد نظر السلف عليهم رحمة الله ورضوانه إلى ما يحدثه الشيطان في بني البشر من انغماس في الشهوات، وعمل للمنكرات، ووقوع في الفحشاء فقالوا هذه هي الخطوات التي يقع فيها البشر، فنظرتهم تلك هي نظرة عملية واقعية، ولما بدأ إمعان النظر يدخل على العلوم الإسلامية، فيبحث الباحثون عن المكامن ويفتّشون عن الأسباب والدوافع اتسعت دائرة تعريف تلك الخطوات لتشمل ما من شأنه أن يوقع في مثل هذا الضلال.

ولقد جاء هذا التعبير القرآني الجميل ليرسم لنا صورة متكاملة لقصة الشيطان مع الإنسان ليس فقط على صعيد الخطايا وحدها أو السبل وحدها، بل هو تعبير دقيق رائع يرسم لقارئه صورة واضحة جلية لما يريده الشيطان من الإنسان منذ تكليفه إلى حين خروج روحه من الجسد، فالمتأمل في هذا التعبير يجد فيه صورة التدرج البطيء الذي يسلب الإنسان دينه من حيث لا يدري، تدرج شديد البطء لا يكاد المرء يميز بين مراحله، تمامًا كما هو حال الخطوة التي تتبعها الخطوة في طريق طويل مليء بالخطوات، وإذا عرفنا أن خطوات الشيطان هي سلسلة مترابطة العرى، متداخلة الحلقات، وجب أن ندرك أن طريق الشيطان لا تبدأ بتقليده في عمل ما، أو اتباعه في أثر ما، بل هي سلسلة تبدأ بالوسوسة فالتسويل والتزيين بالتحسين تارة والتخويف أخرى، بالتمنية مرة والتسويف أخرى ثم تتوالى الخطوات حتى يحصل الزلل فيقع الإنسان في المعصية، يقول الإمام الحارثي في هذا الباب:"إن العبد إنما يؤتى من قبل التهاون باليسير. وهو الذي يوقع في الإثم الكبير، والتهاون باليسير هو الأساس الذي يبنى عليه الكثير فيكون أوله: كان تحفظًا. ثم صار انبساطًا. ثم صار من الانبساط إلى ذكر اليسير. ثم صار من اليسير إلى ما هو أكثر منه. فلا تشعر حتى ترى نفسك حيث كنت تكره أن ترى فيه غيرك ففي ترك اليسير، ترك اليسير والكثير" [1]

(1) - مواعظ الإمام الحارثي المحاسبي - ص 88

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت