فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 285

ينزغ في يده، أي ربما أصابه بها فعن النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدرى أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار [1] " [2] .

وهذا فقه جميل من ابن كثير حيث لم يقصر قول التي هي أحسن على الكلمة، وكف اللسان، بل عدّاها إلى كف اليد وما تحمل من أداة سوء، فالشيطان لا يُجري الغضب فقط على اللسان، بل يُجريه على اليد أيضًا بالسلاح وغيره، وقد ربط الإمام مالك بن دينار بين القول الطيب والعمل الصالح فهما صنوان لا ينفصمان حيث يقول:"يا هؤلاء: فجَّاركم كثير، صغاركم وكباركم فرحم الله من لزم القول الطيب، والعمل الصالح، والمداومة" [3] .

والله سبحانه وتعالى يأمر بلزوم القول الحسن وإظهاره للناس درءًا لنزغ الشيطان ففي الأعراف يقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ... } [4] ، وفي فصلت يقول: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [5] ، ولذلك كان منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - درء أي شبهة أو ظن يحيك في النفوس بقولة الحق، وهذا ما كان منه لما قلب زوجه صفية ليلًا، فعن علي بن حسين أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته"أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، ثم قامت تنقلب فقام معها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغ قريبا من باب المسجد عند باب أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نفذا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلكما، قالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا" [6] ، يقول الخطابي تعليقًا على هذا الحديث:"في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر في القلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب" [7] .

وكما أن المؤمن مطالب بقول الحق، فهو مطالب أيضًا بالكف عن قول الباطل، أو ما لا يلزم من الكلام،"ففضول الكلام والثرثرة بلا داعٍ فهما من منافذ الشرّ التي يسلكها الشيطان إلى صدر الإنسان، وإمساك اللسان عن القول إلا عند اللزوم وبعد تفكر وتدبر يغلق هذا المنفذ في وجه الشيطان، فكم من حرب ضروس سببتها كلمة واحدة، ولقد كان البيت الواحد من الشعر في الجاهلية يُشعل الحروب، ويوقظ الفتن بين القبائل العربية، وحُقَّ للمؤمن أن يتدبر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لسيدنا معاذ بن جبل: (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم) [8] " [9] .

لقد ساهم غياب هذا السلاح الرباني من بين ظهرانينا أيما مساهمة في انتشار غايات الشيطان ومآربه، ومن ثم فساد المجتمع وتفككه وسهولة اختراقه من أعداء الإسلام، فكم من كلمة خبيثة ما كان لها أن تخرج، خرجت فأفسدت وتفاقم

(1) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم (من حمل علينا السلاح فليس منا) - ح 7072 - ص 590.

(2) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 9 - ص 28، 29.

(3) - مواعظ الإمام مالك بن دينار - جمع صالح الشامي - ص 36.

(4) - سورة الأعراف، الآيتان 199، 200.

(5) - سورة فصلت، الآيات 34 - 36.

(6) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة ت- صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - ح 3101 - ص 250.

(7) - عالم الجن والشياطين - لعمر الأشقر - ص 166.

(8) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - جامع الترمذي - أبواب الإيمان - باب ما جاء في حرمة الصلاة - ح 2616 - ... ص 1915، وهو جزء من حديث معاذ الطويل وقال عنه أبو عيسى: حسن صحيح.

(9) - مجلة هدى الإسلام - منافذ الشيطان إلى صدر الإنسان - أحمد حسنين القفل - العدد الأول - محرم صفر - 1412 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت