، فإن الشيطان يلازم من تقرب إليه بشيء مما يحب، وسنذكر هنا ما ذكر القرآن العظيم من هذه الأمور:
يبيّن الحق سبحانه أن الشيطان ينجذب لأولاء الذين يتصفون بالإفك المبين والإثم الكبير؛ فيصبح لهم عونًا وسندًا، يقول تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [1] "وقوله تعالى (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) قصرٌ لتنزُّلِهم على كل من اتصف بالإفك الكثير والإثم الكبير من الكهنة والمتنبئة، وتخصيصه له بهم بحيث لا يتخطاهم إلى غيرهم" [2] ، [3] ولكننا هنا نتحدث عن خطورة مثل هذه الصفات في جلب الشياطين وحضورها، والإفك والإثم بابان كبيران يضويان تحتهما كل معصية، فالإفك هو الافتراء والكذب، وهو منشأ كل كفر وعناد وجدال بالباطل وفساد للعقل، والإثم هو ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس، وهو منشأ كل رذيلة وفاحشة ومنكر وفساد للقلب.
إذًا فهذا سلاح يطهر العقل والقلب من غواية الشيطان، وهو سلاح تابع في حقيقته لما قبله من أسلحة، ولما بعده مما سنذكر، فالمرء لا يستطيع أن يسلخ نفسه عن الإفك والإثم دونما لجوء إلى الله، وتوبة واستغفار له، وتحصن بالإيمان، وغيرها من الأسلحة الربانية.
وبعد أن ينأى العبد بنفسه عما يحيل عقله وقلبه إلى الضلالة مما تكسب يداه، يأتي دور السلاح الثاني في ما يجب عليه أن يتجنبه، وهو أن ينأى بنفسه عن ما يفسد عقله وقلبه مِمَّن يحيطون به من رفاق وإخوان، وهذا سلاح ذو أهمية كبيرة، فكم للقرين والصاحب من أثر كبير على الإنسان، وكم هو تعيس إن أطاع
(1) - سورة الشعراء، الآيات 221 - 223.
(2) - إرشاد العقل السليم - لأبي السعود - ج 6 - ص 268.
(3) - وقد سبق لنا الحديث عن هذه الآية وعن الكهنة عندما تحدثنا عن أولياء الشيطان في الفصل الثاني من هذا البحث.