جَهَنَّمَ جِثِيًّا [1] "أقسم الرب تبارك وتعالى بنفسه الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا وشياطينهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) قال العوفي عن ابن عباس: يعني قعودًا كقوله: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} [2] ، قال السدي: يعني قيامًا. وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله" [3] .
وهذا دأب المبطلين والغاوين - وإن كانوا يخفون هذه السجية في الدنيا - فهي تبرز الآن بكل قوة، فالمشهد يومئذ عظيم، والخطب جلل، فالشياطين والطغاة يومئذ ينوءون بأوزارهم، فلم تعد تلك الكلمات المعسولة تخرج من أفواههم لأتباعهم، كان الكلام في الدنيا لا تظهر عواقبه، أما اليوم فالكلمة تجلب الأوزار، والأتباع كثير، ولسان الحال قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [4] فعن السدي"أما الذين اتُّبعوا فهم الشياطين، تبرأوا من الإنس" [5] ، وهنا تزداد حسرة المتّبِعين الضالين، فيطلبون من الله كرَّة أخرى لينتقموا فيها ممّن أغووهم ولكن هيهات {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [6] .
ومما يزيد حسرة المتحسِّرين، وندم النادمين، قيام كبير الشياطين إبليس - عليه لعائن الله - فيهم خطيبًا يعلن لهم تلك البراءة على رؤوس الأشهاد، ويخبرهم أن أوزارهم لن يحملها إلا هم، يقول تعالى مصورًا هذا المشهد العصيب على أتباع الشيطان يوم القيامة: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا
(1) - سورة مريم، الآية 68.
(2) - سورة الجاثية، الآية 28.
(3) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 9 - ص 278.
(4) - سورة البقرة، الآية 166.
(5) - تفسير القرآن العظيم - لابن أبي حاتم - ج 1 - ص 278.
(6) - سورة البقرة، الآية 167.