الشياطين من الإنس، وإذا وجدوا أن هناك آية واحدة تؤيد بعض مزاعمهم أسرعوا إليها وتشدقوا بها، وأخذوا يرددونها صباحًا ومساءً، وهم في نفس الوقت يُعرضون عن القرآن كله والعمل به وتحكيمه في شؤون الدولة وحياة الشعوب فضلًا عن حياتهم الخاصة، فهل هم ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر بأكثره؟ أم هم ممن قال الله فيهم: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} [1] لا يعلم إلا الله وحده مبلغ هؤلاء من الكذب على الله وعلى خلقه وهم يرفعون شعار الإسلام، ويتاجرون به في كل نادٍ، ولا يعلم إلا الله وحده مبلغ الضرر الذي يلحقونه بالإسلام والمسلمين وهم يتلاعبون بآيات الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويميلون بالمعاني عما أنزلت له، ويلحدون في آياته" [2] ."
قد يظن ظانٌّ أن هذه الغاية الشيطانية هي جزء من سابقتها - التحاكم إلى الطاغوت -، والحق أن هاتين الغايتين متغايرتان ومتباينتان، فالأُولى كان همُّ الشيطان فيها صرف أعدائه عن الأخذ بمنهج الله والتحاكم إليه إلى الأخذ بمناهج الأرض، أما هذه الغاية فأصحابها قومٌ انتسبوا إلى شرع الله وحكمه، ولكنهم أرادوا اتباع أهوائهم في نفس الوقت الذي ينالون فيه شرف الانتساب إلى شرع الله، فبدلوا شرع الله وحرفوه وغيروه، فكذبوا على لسان ربهم وافتروا عليه، فأحلوا ما حرم، وحرموا ما أحل، وحرفوا كتبه، وهذه هي الغاية التي قرر الحق أنها من هدي الشيطان ووحيه وأمره، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [3] "وأما قوله ... (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فهو ما كانوا يحرمون من البحائر [4] والسوائب [5] والوصائل [6] والحوامي [7] ، ويزعمون أن الله حرم ذلك، فقال تعالى ذكره لهم {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [8] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن قيلهم إن الله حرم هذا من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان، وأنه قد أحله لهم وطيَّبه، ولم يحرم أكله عليهم، ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته طاعة منهم للشيطان، واتباعًا منهم لخطواته، واقتفاء منهم آثار أسلافهم الضُّلاّل وآباءهم الجهَّال، الذين كانوا بالله وبما أنزل على رسوله جهّالًا، وعن الحق ومنهاجه ضّلاّلًا" [9] ، وهذا الذي ذكره الطبري إنما هو مثال للافتراء على الله، ولفظ الآية يعم كل قول على الله بغير علم، يقول السعدي:"فيدخل في ذلك القول على الله بلا علم في شرعه وقدره، فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسه، فقد قال على الله بلا علم، ومن زعم أن لله ندا وأوثانا تُقرِّب مَن عَبَدها من الله، فقد قال"
(1) - سورة النور، الآيتان 49، 50.
(2) - مجلة السنة - بين شياطين الإنس وشياطين الجن - محمد عبد الرحمن - العدد 9 - 10، 1411 هـ، 1991 م.
(3) - سورة البقرة، الآيتان 168، 169.
(4) - البَحِيرة: كانوا إِذا ولدت إِبلهم سَقْبًا بَحَروا أُذنه أَي شقوها، وقالوا: اللهم إِن عاش فَقَنِيٌّ، وإِن مات فَذَكيٌّ؛ فإِذا مات أَكلوه وسموه البحيرة، لسان العرب - ج 4 - ص 43.
(5) - السوائب: جمع سائبة، وكانوا إِذا تابعت الناقة بين عشر إِناث لم يُرْكب ظهرُها، ولم يُجَزّ وبَرُها، ولم يَشْرَبْ لَبَنَها إلا ضَيْفٌ، فتركوها مُسَيَّبَة لسبيلها وسمَّوها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أُنثى شقوا أُذنها وخلُّوا سبيلها، وحرم منها ما حرم من أُمّها،-المرجع السابق ج 1 - ص 478.
(6) - الوصائل: جمع وصيلة، وهي في الشاة خاصة كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم و الوصيلة التي كانت في الجاهلية الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن وهي من الشاء التي ولدت سبعة أبطن عناقين عناقين فإن ولدت في السابع عناقا قيل وصلت أخاها فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء وتجري مجرى السائبة -المرجع السابق -ج 11 - ص 729.
(7) - الحوام: جمع حام، وهو الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود قيل عشرة أبطن فإذا بلغ ذلك قالوا هذا حام أي حمى ظهره فيترك فلا ينتفع منه بشيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى - لسان العرب - ابن منظور ج 14 - ص 202.
(8) - سورة المائدة، الآية 103.
(9) - جامع البيان للطبري - م 2 - ج 2 - ص 104.