الكريم منها، فيقف الشيطان في الناس يوم القيامة خطيبًا يخبرهم بأنه وعدهم وعودًا كثيرة لا حصر لها، وما صدقهم فيها من وعد، وإنما الصدق كله كان عند الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ... } [1] وقد مرّ تفسيرها عند الحديث عن خذلان الشيطان أتباعه [2] .
لا يوفر الشيطان جهدًا في اقتناص كل ما مِن شأنه أن يوقع أعداءه في حبائله، فهو - كما ذكر الحق سبحانه - يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [3] ، ومن تلك الخطوات التي يعمد إبليس وجنده على زرعها في قلب عدوّه إنساؤه الحق، ومحاولة صرفه عن أوامر الله ما أمكنه ذلك، يقول تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [4] " (فأنساهم ذكر الله) : أي أوامره في العمل بطاعته، وقيل: زواجره في النهي عن معصيته والنسيان قد يكون بمعنى الغفلة وقد يكون بمعنى الترك والوجهان محتملان هنا" [5] ، فهذا هو هدف الشيطان، إنساء أعدائه كل ما يربطهم بطريق الخلاص من هذه الدنيا.
ويحذر تعالى من استمرار النسيان عند العبد فيصير غفلة تميت القلب، فيخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [6] "أي: وإن أنساك الشيطان نهْيَنا إياك عن الجلوس معهم، والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه" [7] .
الظاهر من سياق الآية أنها في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان الأمر كذلك ورد إشكال على الإنساء هنا، فالإنساء في الآية مُسنَدٌ إلى الشيطان وهو في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهل يُنسي الشيطان الأنبياء؟
هذا الخطاب في شأن النبي على سبيل الفرض لا التحقيق لوقوع ما يحذر منه تعالى إذ لا سبيل للشيطان على الأنبياء كما يقول الألوسي:"وإما ينسينك الشيطان بأن يشغلك فتنسى الأمر بالإعراض عنهم فتجالسهم ابتداءً أو بقاءً، وهذا على سبيل الفرض إذ لم يقع، وأنى للشيطان سبيل إلى إشغال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذا عبر بـ (إنْ) الشرطية المزيدة (ما) بعدها" [8] "ويجوز وقوع النسيان على النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير وسوسة الشيطان لقوله تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [9] ، وقد وقع النسيان من آدم - عليه السلام: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [10] ، ومن موسى - عليه السلام: {قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [11] ، وثبت في كتب السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سها في الصلاة وقال: ("
(1) - سورة إبراهيم، الآية 22
(2) - انظر- ص 31 من هذا البحث.
(3) - سورة الأعراف، الآية 17.
(4) - سورة المجادلة، الآية 19.
(5) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 17 - ص 309.
(6) - سورة الأنعام، الآية 68.
(7) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 7 - ص 285.
(8) - روح المعاني - للألوسي - ج 5 - ص 265.
(9) - سورة الكهف، الآية 24.
(10) - سورة طه، الآية 115.
(11) - سورة الكهف، الآية 73.