والتعاملات المالية المحرمة، وكانت نتيجة هذا كله أن المال المكتسب من حرام يذهب بلا فائدة ولا بركة على صاحبه، فانتشر الإنفاق في الحرام وتضييع الأموال على ما يبغض الله - عز وجل - فأصبحنا نرى ملايين الدولارات تُهدَر على أعتاب غانية أو داعرة، بل وتتدفق الملايين من الأموال لما هو أعظم من ذلك، لحرب الإسلام والمسلمين والكيد لدين الله، وتتحول الحياة في النهاية إلى نكد وخبث بسبب هذه الغاية القبيحة، يقول مالك بن دينار محذرًا من أكل الحرام:"لا تجعلوا بطونكم جرابًا للشيطان، يوعي فيها إبليس ما يشاء" [1] .
لما أمكن الشيطان من أعدائه فأشرب في قلوبهم حب المال، والدنيا، وسوّل لهم الحصول على مغانمهم منها بكل وسيلة شُرِعت أم لم تُشرع، انتقل بهم الشيطان إلى غاية أخرى تأتي فرعًا على الغاية السابقة، وتنتحي في أصحابها منحيين متضادين، فمن أحب الدنيا حرص عليها، وعشق المال وحيازته، صار يرى إخراج هذا المال بعدما استقر في جيبه جريمة في حق نفسه فاتصف بالبخل غايةً شيطانية أولى، ومن عشق الهوى والدنيا وملذاتها وشهواتها فاتجه ناظرها إلى مفاتنها من نساء، وخمور، وزينة وزُخرفٍ، أطلق يده يبْذُر النقود فيما هوت نفسه يمينًا ويسارًا، وهو بذلك لا يوفر جهدًا في الكسب كي يغطي الإنفاق، فتصيبه سهام التبذير غايةً ثانية للشيطان.
ونقدّم في الحديث ما قدّم رب العزة حين تحدث عن هاتين الصفتين في الإنسان حيث يقول: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [2] :
قرن الحق سبحانه وتعالى هذه الصفة الذميمة بالشيطان، فجعل قرناءه يتصفون بها إلى جانب صفة كتمان ما أنزل الله، وما أنعم به على عباده يقول
(1) - مواعظ الإمام مالك - جمع صالح الشامي - ص 74.
(2) - سورة الإسراء، الآية 29.