فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 285

ونتيجة لهذا الاستكبار، والذي أدى إلى الكفر، وقع إبليس عليه لعنة الله، هو ومن تبعه، في كبرهم وكفرهم، وقعوا في معصية الله ومخالفة أمره، فصار هذا العصيان لهم ديدنًا وسجيّة ما دام في قلب أي شيطان منهم كبرٌ وأنفة عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وبيّن الحق سبحانه هذه السجية على لسان أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فيقول فيما يحكيه عنه في خطابه لأبيه: {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [1] يقول تعالى على لسان إبراهيم:"يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان لله عصيًا. والعصي: ذو العصيان، كما العليم: ذو العلم" [2] فهذه هي صفة الشيطان في أي زمان، وفي أي مكان.

صفتان اكتسبهما أبو الشياطين إبليس لما عصى ربه استكبارًا وكفرًا بعدم السجود لآدم، وهما متلاصقتان في المعنى فكلاهما تعني الطرد والرمي والإبعاد.

أما اللعين"فأصل اللعن: الإبعاد، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب" [3] ، وأما الرجم والرجيم:"فأصل الرجم: الرمي بقول كان أو بفعل ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم صلوات الله عليه: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} [4] وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان: رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته، ورجمه بالشهب الثواقب" [5] ،"والرجيم: المرجوم، صُرِف من مفعول إلى فعيل، وهو: المشتوم، كذلك قال جماعة من أهل التأويل" [6] .

وقد وردت هاتان الصفتان في مواضع كثيرة بلفظيهما وبألفاظ مقاربة كلها تدل على العيب والنقص والنفي والطرد من رحمة الله، ومن تلك الألفاظ المتقاربة: الذأم، والدحر، يقول تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ... } [7] "ومذءومًا أي: مذومًا، والذأم: العيب بتخفيف الميم، قال ابن زيد: مذؤومًا ومذومًا سواء، يقال ذأمته وذممته وذُمْته بمعنى واحد، وقال مجاهد: المذؤوم المنعي، والمعنيان متقاربان، والمدحور: المبعد المطرود، وأصله:"الدفع" [8] ."

وقد ركزت الآيات القرآنية على بيان لعنة ورجم إبليس وطرده من رحمة الله، بتلك الألفاظ المختلفة التي ذكرنا، أما لعنة ورجم أتباعه فبديهيٌّ بالاتباع له وإن كان قد ورد لعن الشيطان بشكل عام في آيات قلائل أمثال قوله تعالى {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [9] .

بعض اللطائف حول الآيات:

ورد لعن إبليس في آيتين متشابهتين باختلاف حرف واحد وذلك في سورتي الحجر و ص، ففي الحجر قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [10] ، وفي سورة ص يقول: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [11] ففي آية الحجر جاء اللعن مطلقًا دون تقييد، وفي ص جاء مضافًا إلى رب العزة سبحانه وتعالى وفي ذلك يقول أبو السعود:"وتقييدها بالإضافة مع إطلاقها في قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين أيضًا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله تعالى وإبعاده من الرحمة إلى يوم الدين" [12] .

ونتيجة لهذا الطرد الرباني للمستكبرين المتعالين، زاد بعض المعاندين في عِنْدِهِم، وجاوز بعض المستكبرين في غيّهم، وطغى أتباع إبليس في الأرض،

(1) - سورة مريم، الآية 44.

(2) - جامع البيان - للطبري - م 9 - ج 16 - 120

(3) - المحرر الوجيز - لابن عطية - ج 2 - ص 114

(4) - سورة مريم، الآية 46

(5) - جامع البيان - للطبري - م 1 - ج 1 - ص 62

(6) - المرجع السابق - م 8 - ج 14 - ص 42

(7) - سورة الأعراف، الآية 18

(8) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 7 - ص 176

(9) - سورة النحل، الآية 98

(10) - سورة الحجر، الآية 35

(11) - سورة ص، الآية 78

(12) - إرشاد العقل السليم - لأبي السعود - ج 7 - ص 237

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت