ولو أنا تتبعنا أسباب الكفر في هذا العالم لوجدنا أن جلّها يعود إلى الكبر والتعالي على شرع الله، مع استيقان الأنفس بالحق، ألم ترى كيف أظهر الله مكنون صدور شياطين آل فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [1] ، وها هم شياطين اليهود والنصارى يدفعهم الكبر والعلو إلى الكفر بنبي الرحمة مع أنهم يعرفونه أكثر من معرفتهم بأبنائهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [2] .
جزاء المتكبرين:
وعد الله عباده المؤمنين المطيعين بالجنة، وبيّن أن هذه الجنة لا يسكنها مستكبر، ولذلك كان هبوط إبليس من ملكوت السماوات إلى دركات الأرض يقول تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [3] أي"اهبط منه - يعني من الجنة - فليس لك أن تستكبر فيها عن طاعتي وأمري. فإن قال قائل: هل لأحد أن يتكبر في الجنة؟ قيل: إن معنى ذلك: فاهبط من الجنة فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله، فأما غيرها فقد يسكنها المستكبر عن أمر الله، والمستكين لطاعته" [4] ، أما جزاء أولئك المتكبرين في الآخرة فقد تحدث عنه سبحانه في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [5] أي:"إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا، وتكبروا عن التصديق لها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبرًا، لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل لأن أعمالهم خبيثة ... وكذلك نثيب من أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله من العذاب الأليم في الآخرة" [6] .
(1) - سورة النمل، الآية 14.
(2) - سورة البقرة، الآية 146.
(3) - سورة الأعراف، الآية 13.
(4) - انظر جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 8 - ص 169
(5) - سورة الأعراف، الآية 40
(6) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 8 - ص 224.