الإيذاء قائمًا في نفوس المتناجين - ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الأراء فيها على غير علم، قد يؤدي إلى الإيذاء، وإلى عدم الطاعة" [1] ."
وتلك غاية أخرى من غايات الشيطان تنتظم في سلسلة الغايات الممزقة للمجتمع الإسلامي، فالأصل في المؤمنين التوادّ والتعاطف والتراحم، والمؤمن مرآة أخيه يسدي إليه النصيحة الصادقة بعيدًا عن أعين الناس، غرضه في ذلك الإصلاح والتقويم، أما الشيطان وأولياؤه فيسعون إلى فضح المؤمنين، والتهكم منهم، وإبراز معايبهم، لتشيع الفاحشة في المجتمع، وينتشر الكلام السيء فيؤثر على نفوس العامة.
والاستهزاء من المؤمنين يأخذ أشكالًا متعددة كما يبيّنها الألوسي:"الاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، واستفعل بمعنى فعل، تقول هزَأتُ به واستهزأت بمعنىً، كاستعجب وعجِب، وذكر حجة الإسلام الغزالي أن الاستهزاء الاستحقار، والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجهٍ يُضحَك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول والإشارة والإيماء، وأصل هذه المادة الخفة، يقال: ناقته تهزأ به أي تُسرع وتخِف" [2] .
ويظهر الارتباط بين الشيطان والاستهزاء في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [3] ،"أجمع أهل التأويل على أن معنى قوله (إنما نحن مستهزءون) : إنما نحن ساخرون، فمعنى الكلام إذًا: وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مردتهم من المنافقين و المشركين قالوا: إنّا معكم على ما أنتم عليه من التكذيب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، ومعاداته ومعاداة أتباعه، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد في قيلنا لهم إذا لقيناهم: (ءامنا بالله وباليوم الآخر) "
(1) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 6 - ص 3510، 3511.
(2) - روح المعاني - للألوسي - ج 1 - ص 255.
(3) - سورة البقرة، الآية 14.