فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 285

وقد أجاد سيد قطب في الحديث عن هذه الخطوة من خطوات الشيطان وأبان ما لها من أثر على النفس، وعلى المجتمع بارتكاب الفواحش، يقول:"ولما كان الكف عن الإنفاق، أو التقدم بالرديء الخبيث، إنما ينشأ عن دافع السوء وعن تزعزع اليقين فيما عند الله - سبحانه وتعالى - وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفسًا تتصل بالله، وتعتمد عليه، وتدرك أن ما عندها إليه ... كشف الله للذين آمنوا عن هذه الدوافع لتبدو لهم عارية، ولِيعرفوا من أين تنبت النفوس، وما الذي يثيرها في القلوب ... إنه الشيطان ... الشيطان يخوّفكم الفقر، فيثير في نفوسكم الحرص والشح والتكالب. و الشيطان يأمركم بالفحشاء والفحشاء كل معصية تفحُش، أي تتجاوز الحد، وإن كانت قد غلبت على نوع معين من المعاصي ولكنها شاملة. وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة، والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة، ... على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله في ذاته فاحشة ... وحين يعدكم الشيطان الفقر ويأمركم بالفحشاء يعدكم الله المغفرة والعطاء" [1] .

ثانيًا: التخويف من الموت:

وتلك هي المرحلة الثانية في خطوة الشيطان الرامية إلى تخويف أعدائه، تلك مرحلة أشد على الإنسان، أيسر على الشيطان، وهذا هو المدخل الثاني الذي ذكرنا قبل، حبّ الخلود في هذه الدنيا، فمنه يلج الشيطان على الإنسان ويخوفه كلَ ما من شأنه أن يفوت عليه دقيقة يعيشها في الدنيا، أو يذهب روحه ويُنهي أجله، وهي مرحلة يتمسك بها الإنسان حتى آخر رمق في حياته، إن هو لم يتصل بالله، حتى إن هو أُصيب بالفقر المدقع فيبقى متمسكًا بهذه الدنيا، ولقد تحدث الله- سبحانه وتعالى - عن هذه المعاني في سياق آيات غزوة أحد، فتلك آيات عظيمات المعاني، شديدات على المنافقين، كبَّت [2] الله فيها المتقاعسين عن الجهاد خشية الموت، وبين أن الأجل محتوم عند بارئهم من قبل أن يردوا على هذه الأرض، يبدأ هذا السياق بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ... )

(1) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 1 - ص 312.

(2) - الكبْت: الصرف والإذلال، وكبته: أي كسره وأخزاه ورده بغيظه - لسان العرب - لابن منظور - ج 2 - ص 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت