فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 285

وسلم - نتحدث أن التبذير: النفقة في غير حقه" [1] ، وهذا ما زاده قتادة تبيانًا حين عرّف التبذير بقوله:"النفقة في معصية الله، وفي غير الحق، وفي الفساد" [2] ، أما السرف، وهو وضع الشيء في غير موضعه، والزيادة فيه حيث لا تستوجب الزيادة، فيبينه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -"كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، ان الله يحب أن تُرى نعمته على عبده" [3] ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بأن نفعل ما أحل الله من فِطَر المخلوقات، ولكن دون مبالغة فيها بالإسراف، وإن كانت حلالًا، فالاقتصاد مطلوب في كل شيء، وهذا ما نفهمه من كلام الحارث المحاسبي حيث يقول:"أوصيكم بالاقتصاد فيما رُزِقتم، فإنه من صلاح الدين، وأحذركم من الإسراف في وقت الغنى، فإن الله يكره السرف في كل شيء، وقد ذمّ الله تعالى المسرفين، ومدح الذين لم يُسرفوا ولم يَقتروا، وبلغنا عن بعض التابعين أنه قال: كفى بهذا إسرافًا أن يأكل العبد ما يشتهي، ويلبس ما يشتهي" [4] ."

هاتان الصفتان الذميمتان من وحي الشيطان، وهما - وإن تناقضتا ظاهرًا - ينحدران من أصل واحد، ويُنفثان من أفعى واحدة، فالأصل حب الدنيا والأفعى هي الشيطان، ولذا لا تعجب إن وجدت هاتين الصفتين مجتمعتين في رجل واحد، فهو إن وقف أمام أوامر الله تعالى وهي تحثُّ على الإنفاق في سبيله، وإخراج الزكاة، والتصدق على ذوي الحاجة، ينبعث فيه داعي البخل فيأخذ بجماع نفسه المريضة يدفعها إلى البخل وعدم الإنفاق، مبررًا لنفسه ذلك الشح بأن ذلك إنما يضيِّع مالك في غير منفعة مرجوة منه، أما إذا وقف هذا البخيل أمام شهوات الدنيا وملذّاتها، وتلألأت في عينيه زخارفها، تهللت لها أساريره، ووافق ذلك هوى في

(1) - جامع البيان - للطبري - م 9 - ج 15 - ص 94.

(2) - المرجع السابق - م 9 - ج 15 - ص 93.

(3) - مسند أحمد - ج 2 - ص 182 - ح 6708، قال شعيب الأرنؤط: إسناده حسن.

(4) - مواعظ الإمام الحارث المحاسبي - جمع صالح الشامي - ص 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت