ذلك (الشيطان سول لهم) أي زين لهم الكفر والارتداد عن الدين، وأملى لهم أي مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر" [1] ."
والظاهر من كلام الشنقيطي ميله إلى كون هؤلاء من اليهود وهو على عكس ما ذهب إليه الطبري حيث رجح كونهم من المنافقين فيقول في تفسير هذه الآية:"وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا، أشبه منها بصفة أهل الكتاب، وذلك أن الله عز وجل أخبر أن ردتهم كانت بقيلهم {لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} [2] ولو كانت من صفة أهل الكتاب , لكان في وصفهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدوا من أجل قيلهم ما قالوا" [3] .
وقد بينت الآية التالية من سورة محمد مدى خطورة هؤلاء الشياطين وأتباعهم حيث يقول الحق سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [4] "أي ذلك الإملاء لهم حتى يتمادوا في الكفر بأنهم قالوا - يعني المنافقين واليهود - (للذين كرهوا ما نزل الله) وهم المشركون (سنطيعكم في بعض الأمر) أي مخالفة محمد والتظاهر على عداوته، والقعود عن الجهاد معه، وتهوين أمره في السر" [5] ، فالتظاهر على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والكيد للإسلام لا يزال مستمرًا قائمًا على دين الله وأتباعه إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
ومن تلك الطائفة، ومن هذه الطائفة، من أولئك اليهود، ومن هؤلاء المنافقين، وبالعموم من الكفار والمشركين، تبرز طائفة مفسدة بايعت الشيطان، واتحدت معه في الأهداف، فأخذوا يضلون الناس بما علمهم أسيادهم من الشياطين
(1) - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - للشنقيطي - ج 5 - ص 145
(2) - سورة محمد، الآية 26
(3) - جامع البيان - للطبري - م 13 - ج 26 - ص 72.
(4) - سورة محمد، الآية 26.
(5) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 8 - ص 531، 532.