مستثنىً من نهيه عليه السلام عن شريعة الشيطان، والوشم: الكي بالنار، وقد ثبت في الصحيح عن أنس - رضي الله عنه - قال:" (رأيت في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الميسم وهو يسِمُ إبل الصدقة) [1] والفيء وغير ذلك، حتى يُعرف كل مال، فيُؤدى في حقه ولا يُتجاوز به إلى غيره" [2] .
ولا يقتصر تغيير خلق الله على هذه الأمور التي ذكرت في كتاب الله وفي أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنَّ الله يأتي من الأمور بأهمها وجماعها وقد ظهرت في عصرنا الحاضر أشكالًا عجيبة من تغيير خِلْقَة الإنسان، وخاصة أولئك الشَّاذين من البشر الذين يغيرون بعض ملامح جسدهم ممَّا فطرهم الله عليه من ذكورة أو أنوثة، ونسمع هذه الأيام بعض الكفار في الغرب يستعملون الأمصال الطبية في نفخ أثدائهم تشبهًا بالنساء، وعمليات التجميل في إزالة شعر الرجل تمامًا، وتنعيم ما يبقى وهكذا، وغير ذلك ممَّا انتشر بين الشباب والشابات
-حتى في عالمنا الإسلامي - من وشم وقزع ونفخ للشفاه وهكذا.
ليس هذا المطلب بعيدًا عن سابقه، أو منفصلًا عن معناه، فما زِلنا نسرد في المحرمات التي يبغي الشيطان إيقاع أعدائه فيها، ولكنا ميّزنا هذه الغايات عن سابقاتها - مع أنها تشترك معها في كونها من المحرمات - لأن هذه الغايات تتميَّز بكونها تساهم مساهمة أساسية في تمزيق المجتمعات وتفكيك لحمتها، وإيقاع العداوة بين أفرادها، وإفساد أخلاقها وقيمها كي تصبح تلك المجتمعات بركًا من الانحطاط والتلوث، ترتع فيها الشياطين، فتحل لحمتها وتجعلها أفرادًا يسعى كل واحد منهم إلى نيل أغراضه الشخصية، وإشباع رغباته وشهواته ولو على حساب الدنيا كلها.
أولًا: الكيد وإيقاع العداوة بين الناس
يحذر الحق سبحانه من مكر الشيطان وكيده وسيله الخبيث للكيد للبشر بإغراء العداوات بينهم وحمل بعضهم على بعض، يقول تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [3] وقد تحدثنا قبلُ عن النزغ ومعانيه في كتاب الله، وقلنا إذ ذاك، أن النزغ إذا تعدى بالظرف (بين) أُريد به الإيقاع بين الناس وإفساد العلائق الكائنة بينهم، وهو مراد الشيطان الأول في غايات تمزيق المجتمع وإفساده، يقول الجزائري في تفسير الآية:"... والآية تبين أن الشيطان يسعى للإفساد دائمًا فلا يُمكّن من ذلك بالكلمات المثيرة للغضب الحاملة على اللجج والخصومة الشديدة" [4] وقد أفلح الشيطان في إيغار صدر إخوة يوسف على يوسف فأوقع بينهم ردحًا من الزمن حتى عادوا إلى رشدهم وتاب الله عليهم، يقول تعالى على لسان يعقوب - عليه السلام: {قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [5] يقول صاحب الظلال:"لهذا أدرك أبوه يعقوب بحسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤيا شأنًا عظيمًا لهذا الغلام، لم يفصح هو عنه، ولم يفصح عنه سياق القصة كذلك، ولا تظهر بوادره إلا بعد حلقتين منها، وأما تمامه فلا يظهر إلا في نهاية القصة بعد انكشاف الغيب المحجوب، ولهذا نصحه بألا يقص رؤياه على إخوته، خشية أن يستشعروا ما رآه لأخيهم الصغير غير الشقيق، فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم فتمتلئ نفوسهم بالحقد، فيدبروا له أمرًا يسوؤه، ثم يعلل هذا الخوف بقوله: (إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين) ... فمن ثم فهو يوغر صدور الناس بعضهم على بعض ويُزيّن لهم الخطيئة والشرّ" [6] .
ومن ذلك الكيد والتفريق ما ينتج عن أعمال السحر من تفريق بين المرء وزوجه، وهي غاية تتبع غاية السحر، وتهدف إلى ضرب اللبنة الأساسية في المجتمع ألا وهي الأسرة، فإذا تمزقت الأسرة وانفرط عقدها أدى ذلك إلى تمزق المجتمع وتفرُّقه، يقول تعالى في هذه الغاية بعد ذكر السحر: ... فَيَتَعَلَّمُونَ
(1) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح مسلم - كتاب اللباس والزينة - باب: جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه وندبه في نعم الزكاة والجزية - ح 5558 - ص 1057.
(2) - التفسير المنير - للزحيلي - ج 5 - ص 281.
(3) - سورة الإسراء - الآية 53.
(4) - أيسر التفاسير - للجزائري - ج 2 - ص 607.
(5) - سورة يوسف، الآية 5.
(6) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 4 - ص 1971.