تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [1] "يقول تعالى ذامًّا الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها في ما أمرهم الله به - من برِّ الوالدين، والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل وما ملكت أيمانهم من الأرقاء - ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضًا ... فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين ... وقد حمل بعض السلف هذه الآية (يكتمون ما آتاهم الله من فضله) على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتمانهم ذلك ... ولا شك أن الآية محتملة ذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلًا في ذلك بطريق الأوْلى، فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء ... ولهذا قال تعالى: (ومن يكن الشيطان له قرينًا فساء قرينًا) أي: حمَلَهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ، فإنه سوّل لهم وأملى لهم، وزين لهم وحسّن لهم القبائح" [2] ، وقد ذمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صفة البخل في أحاديث عديدة فعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جَدّ بن قيس على أنا نُبَخِّله، قال: وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح، وكان عمرو على أصنامهم في الجاهلية وكان يُولِم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا تزوج" [3] ."
يصِم الله سبحانه وتعالى المبذرين بوصم لصيق بالشيطان لا يفارقه حتى يفارقونه، ذلك هو مؤاخاة الشيطان الكفور لربه: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ
(1) - سورة النساء، الآية 37، 38.
(2) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 4 - ص 46 - 50.
(3) - الأدب المفرد - للبخاري - باب البخل - ح 296 - ج 1 - ص 107، صححه الألباني في تعليقه على الكتاب.