فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 285

الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [1] ،"فردهم بتزيينه لهم ما زين من الكفر، عن سبيل الله، التي هي الإيمان به وبرسله، وما جاءهم به من عند ربهم" [2] ، وفي حق قوم سبأ يقول تعالى على لسان الهدهد: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [3] "فمنعهم بتزيينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق المستقيم، وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه ومعناه: فصدهم عن سبيل الحق (فهم لا يهتدون) أي فهم - لما قد زين لهم الشيطان ما زين من سجود للشمس من دون الله والكفر به - لا يهتدون لسبيل الحق ولا يسلكونه، ولكنهم في ضلالهم الذي هم فيه يتمردون" [4] .

هذا المكر لدين الله على مستوى الجماعات والأمم، أما على مستوى الأفراد فيقول تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [5] "وكأن الكلام: وإن العُشاة ليصدونهم الشياطين عن السبيل، أي سبيل الهدى والفوز، ويحسبون: أي الكفار أنهم مهتدون" [6] .

مشاهد من الواقع:

الناظر في هذه الغاية الشيطانية للوهلة الأولى يدرك كم هو العالم اليوم واقع فيها، إما قائمًا عليها، وإما واقعًا في أثرها، فأيامنا هذه تتحدث بوضوح عن الحرب المعلنة على الإسلام، والتي بدأت منذ قرون، وإن كانت لم تتوقف أصلًا منذ بدء الخليقة، ولكن أتحدث عن بدئها في عصرنا الحالي، فقد بدأت بالغاية التي قبل هذه الغاية وهي إيقاع الناس في الكفر، وجهد الشيطان وأتباعه على تزيين كل الطرق لتحقيق هذه الغاية وبالتالي ضرب الإسلام وأتباعه، ولكن هذه الغاية، وهي الصد عن سبيل الله، بدأت تبرز بوضوح في عصرنا الحاضر لما فشلت الغاية السابقة في تحقيق هذه الغاية بشكل ناجع، فأخذ شياطين الإنس بتوجيه سهامهم مباشرة إلى دين الله وإلى المؤمنين به يسومونهم سوء العذاب بالقتل، والتعذيب، والسجن، والإبعاد، والحرب، وغيرها من طرق الشيطان في الصد عن سبيل الله، ولكن كما يقول الحق سبحانه {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [7]

المطلب الرابع: إبعاد أعدائه عن الجنة:

وهذه هي غاية الغايات، وهدف الأهداف للشيطان، لا يعمل كل ما يعمل في هذه الدنيا، ولا يجند كل جنده ويجيش كل جيوشه من الإنس والجن إلا ليبلغ بأعدائه هذه الغاية، فيطردهم من رحمة الله، ويوقعهم بالتالي في عذابه المقيم فيلجوا معه جهنم وبئس المصير، وما هذا إلا حسدًا منه وحقدًا على كل مسلم، كيف يراه بعيدًا عنه ينعم في جنة الرحمن، وهو يتلظى بلهب جهنم، فلن يهدأ لإبليس بال، ولن يطمئن له جنان حتى يرى الخلق كلهم معه في جهنم، ولقد كان هذا المطلب همَّ إبليس الأول منذ خلْق آدم وزوجه وإدخالهما الجنة، فقد سعى بكل ما أوتي من قدرات على الإغواء إلى أن يخرجهما منها، وأفلح في النهاية، يقول تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ... } [8] ، فأهبطهما إلى الأرض، وأسس دعوته فيها على ألا يدخل واحد من أعدائه في الجنة، بل يجب أن تكون نهايتهم هي الكفر والخلود في النار، وعمل لأجل هذه الدعوة لا يفتأ ولا يفتر، يصل الليل بالنهار في تحقيق هذه الغاية، يقول تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [9] "يعني"

(1) - سورة العنكبوت، الآية 38.

(2) - جامع البيان - للطبري - م 11 - ج 20 - ص 183

(3) - سورة النمل، الآية 24.

(4) - جامع البيان - للطبري - م 11 - ج 19 - ص 175.

(5) - سورة الزخرف، الآية 36، 37.

(6) - البحر المحيط - لأبي حيان - ج 9 - ص 374.

(7) - سورة التوبة، الآية 32.

(8) - سورةالبقرة، الآية 36.

(9) - سورة فاطر، الآية 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت