الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [1] الآيات إلى غير ذلك من الآيات وقوله تعالى هنا {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا} الأظهر أنه من كلام الله وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة والخذول صيغة مبالغة والعرب تقول خذله إذا ترك نصره مع كونه يترقب النصر منه" [2] ."
ضرورة هذا السلاح:
تبرز ضرورة هذا السلاح في زمان تكاثر الفتن، وانتشار أعداء الله في كل مكان، وحيازتهم على القوة الدنيوية، في مقابل ضعف المؤمنين وتشتت قواهم، ففي هذه الحالة يعتز الكافر بكفره ويرقى الدعيّ ويصبح أصيلًا شريفًا ويُشار إليه بالبنان، فيتهافت عليه الخلان من كل مكان طلبًا لما لديه من مال ومكان، فيأتي دور هذا السلاح، سلاح الرفقة المؤمنة، واجتناب قرناء السوء، كي تكون حمىً لأهل الإيمان من براثن الأشرار، فالمرء بإخوانه يتقوى، وإنما تأكل الذئب من الغنم القاصية، فنوصي هنا كل عبد مؤمن بالله، كافر بالشيطان أن لا ينأى بنفسه عن إخوانه فيسيح في طرائق إخوان الشياطين، بل عليه أن يعتصب ويعتصم به، فالوَحدة قوة والتفرق ضعف.
قلنا إن الشيطان هو كل عاتٍ متمرد على أوامر الله من الجنّ والإنس، وكذا الطاغوت يندرج في معنى الشيطان إلا أنه يختص بالتمرد على ألوهية الخالق عز وتعالى، ثم قلنا إن أولياء الشيطان هم كل من سار على دربه، ونهج نهجه، واتبع أمره في خلاف أمر الحق سبحانه، ومنهم من يبقى له وليًا ذليلًا، ومنهم من يرتقي ليصبح شيطانًا عتيًا، ومن خلال هذه التعريفات ندرك أن محاربة مثل هذه الأمراض لا يكون إلا بإقامة شرع الله والاستقامة عليه، ومحاربة كل من دعى إلى تلك الولاية والتمرد على أوامر الله، وسنذكر تلك الوسائل - كما بينها كتاب الله - فيما يلي:
أولًا: التبرؤ من الشيطان والإيمان بالرحمن:
يعلن المولى سبحانه وتعالى أن هذه الوسيلة هي عروة الله الوثقى، وحبله المتين الذي لا ينقطع بمن تمسك به، فهو أقوى الأسلحة لمن أراد النجاة وطلب السلامة يقول تعالى: { ... فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [3] وقد مرّ بنا بيانها في غير موضع في ثنايا البحث. إذًا فأول خطوات محاربة الشيطان هي التبرؤ من ولايته، ثم تولي الله سبحانه وتعالى، فالإيمان عاصم للعبد من الزلل في الشرك وغيره من أمراض القلوب كالرياء وعدم إخلاص النية لله"فالشيطان يوسوس للمسلم حتى يشرك في عمله وفي قوله وفي عبادته، والإخلاص يعصم المسلم من وساوس الشيطان ويطارده، ليفوِّت عليه غرضه في الإغواء والإغراء والرياء، لأنه يوجه صاحبه إلى معاداة الشيطان والتمرد على أوامره وهواه، ويعمل قاصدًا بعمله وجه الله ورضوانه مرْغِمًا أنف الشيطان وطاردًا له، ويوم يغفل المسلم عن الإخلاص يتسلط الشيطان عليه فتضعف إرادة المقاومة عنده، ويتغلب الشيطان عليه، لأن الإخلاص لله يقوي صاحبه على الشيطان فلا يقدر عليه ... بل إن الشيطان - أعاذنا الله منه - أعلن أنه لا قدرة له على إغواء المؤمنين المخلصين، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [4] " [5] ، وقد بين الحق سبحانه أن الإيمان أقوى من الشيطان وإغوائه، لمن تسلّح به حق التسلّح، حيث يقول: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [6] "يعني بذلك أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما"
(1) - سورة سبأ، الآية 31.
(2) - أضواء البيان - للشنقيطي - ج 6 - ص 46، 47.
(3) - سورة البقرة، الآية 256.
(4) - سورة الحجر، الآيتان 39، 40.
(5) - تزكية النفس - لمحمد أبو فارس - ص 52، 53.
(6) - سورة النحل، الآيات 98، 100.