الناس" [1] . ومعنى بطر الحق تسفيهه وإبطاله. وغمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم ... وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال تعالى على لسانه: ... {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [2] . {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [3] . {لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} [4] فكفّره الله بذلك ... ولذلك قال الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [5] أي استكبرت ولا كِبر لك، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي. فلذلك قال {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} " [6]
وقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية ارتباط الكفر بالاستكبار في معرض حديثه عن أقسام الكفر حيث جعل كفر الكِبر واحدًا منها يقول:"أما الكفر الأكبر فهو خمسة أنواع: كفر تكذيب، كفر استكبار وإباء، كفر إعراض، كفر شك، وكفر نفاق ... وأما كفر الإباء والاستكبار: فهو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينصع له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كفرعون وقومه. وقول الأمم لرسلهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [7] وهو كفر اليهود {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه} [8] " [9] ،.
ولقد اكتسب أتباع إبليس من شياطين الجن والإنس هذه الصفة المقيتة، فحملتهم على كل قبيح بدءًا بالكفر ومرورًا بالاغترار بأنفسهم، وانتهاءً بإضلال غيرهم كي يصبحوا من أشياعهم.
(1) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح مسلم - كتاب الإيمان باب: تحريم الكبر وبيانه - ص 693 - ح 91.
(2) - سورة ص، الآية 76.
(3) - سورة الإسراء، الآية 61.
(4) - سورة الحجر، الآية 33.
(5) - سورة ص، الآية 75.
(6) - الجامع لآيات الأحكام - للقرطبي - ج 1 - ص 296، 297
(7) - سورة إبراهيم، الآية 10
(8) - سورة البقرة، الآية 89
(9) - مدارج السالكين - لابن القيم - ج 1 - ص 364، 367 (بتصرف)