وأرى في هذا المقام، وقبل أن نخلص إلى التعريف الاصطلاحي للخطوات أن أسوق قصة تناقلتها كثير من كتب العلماء في الماضي والحاضر، وإن كانت طويلة، ولكنها تضرب أفضل مثال على خطوات الشيطان التي عنتها الآية الكريمة، تلك هي قصة عابد بني إسرائيل والتي يوردها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس حيث يقول:"عن وهب بن منبه [1] : أن عابدًا كان في بني إسرائيل، وكان َمنْ أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بكرًا، ليس لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ولا مَنْ يأمنون عليها، ولا عند مَنْ يضعونها قال: فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل - وكان ثقة في أنفسهم - فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده؛ فتكون في كنفه، وجواره إلى أن يرجعوا من غزاتهم، فأبى ذلك، وتعوذ بالله - عز وجل - منهم، ومن أختهم، قال: فلم يزالوا به، حتى أطاعهم، فقال: أنزلوها في بيت، حذاء صومعتي، قال: فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانًا، ينزل إليها بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد إلى صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام."
قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في الخير، ويعظِّم عليه خروج الجارية من بيتها نهارًا ويخوِّفه أن يراها أحد، فيعلِّقها، فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم لأجرك قال: فلا يزال به حتى مشى إليها بطعامها ووضعه على باب بيتها ولم يكلمها، قال: فلبث على هذه الحالة زمانًا.
ثم جاء إبليس فرغبه في الخير والأجر، وحضه عليه، وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها، كان أعظم لأجرك، قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام، ثم وضعه في بيتها، فلبث على ذلك زمانًا.
(1) - هو: وهب بن منبه بن كامل اليماني أبو عبد الله الأبناوي، ثقة اشتهر بالتفسير وبالرواية عن أهل الكتاب، تقريب التهذيب - لابن حجر - ت 7485 - ص 585.