فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 285

لقد مرّ علماؤنا الأفاضل مرورًا سريعًا على هذا الباب، ولم يتعدَّوا فيه المعنى اللغوي مع نوع من الإبهام في ذلك نشأ من تفاوت المعاني اللغوية التي حملتها هذه الكلمة، والحق أن هذا الباب، وهذا السبيل هو باب كبير، وسبيل واسع من وسائل الشيطان في إلقاء الغواية إلى أعدائه، وهذا الباب يدور حول محورين، تكلم الأكثرون عن الأول، ولم يتكلموا عن الثاني - فيما أعلم:

الأول: هو وحي الشيطان إلى الكهنة والسحرة والمتنبئين، وهذا ما نلمسه في قصة تنبؤ المختار، وما قاله ابن عباس عن ذلك بأنه وحي الشيطان إليه، ومنه الوحي إلى الكهان بما يسترقه الشياطين من السمع، وذلك بإلقاء ذلك الكلام في النفس بتمتمات وإشارات خفيّة.

الثاني: ويدور هذا المعنى الثاني للإيحاء حول محور المعنى اللغوي لهذه الكلمة ألا وهو إلقاء معنى ما دونما خطاب مباشر، ومن تلك الطرق في الإلقاء كما رأينا الرسالة والكتابة، ومن هنا نفهم أن الوحي يكون بالتقاط معانىٍ وكلام وفكر من كتب ومؤلفات سبق كتابتها، وإذا علمنا أن شياطين الإنس خاصة اعتمدوا كثيرًا على هذه الوسيلة الخفيّة في بث السموم لأدركنا خطر هذا الباب في إيقاع الناس في الغواية.

فكم من مبادئ هدامة، وأفكار ضالة، وسلوكيات منحرفة، وسموم قاتلة بُثَّت عبر أدعياء الشياطين من المفكرين والأدباء، فكتبوا من تلك السموم ونشروها في العالم ليلقاها الناس فيأخذوا من وحيها، ويتشربوا من خبثها، وكأنّ الشياطين يلقون ويوحون إلى هؤلاء الناس دون أن يشعروا بأنه وحي شيطان، ولا يقتصر الأمر في هذا على وحي من زمان بعينه، بل نجد كثيرًا ممن يَدَّعون تنوير الفكر الإنساني يقتبسون من وحي الماضي والتراث، فيجدون كتبًا مُلئت سمومًا فيحتسوها، فيصيروا أولياء للشيطان، ثم يرتقون مرتبة ليصبحوا هم الشياطين الذين يضلون غيرهم، ولقد أخبر الكتاب العزيز عن قصة في غابر الزمان على عهد سليمان، ارتكزت فيها غواية الشيطان على هذا الضرب من الإيحاء، وكانت نتيجتها فساد عظيم حلّ بالبشر بعد ذلك، تلك هي قصة الشياطين وسليمان والسحر فقد أخرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت