فهرس الكتاب
أما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [1] ففيه أقوال كثيرة عند المفسرين تتردد بين الوسوسة، والتزيين، والهم، والغضب، وغيرها، وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (طيف) وقرأ الباقون (طائف) [2] وفي هاتين القراءتين يقول الميداني:"الطائف: هو الذي يحمل الوساوس والدسائس والتسويلات التزيينية، فيطوف بها على النفوس، ويقذف بها في نفس فريسته، وهذا الحامل لا بد أن يكون شيطانًا."
والطيف: التخيُّلات والرؤى النفسية التي قد يهيِّجها الشيطان ويستثيرها" [3] فالطيف بهذا المعنى ينصرف إلى الدرجة الأولى من المس، وهي المس النفسي حيث تثير هذه الوساوس الملحة همومًا وإعياءً في النفس، أما على قراءة (طائف) فهو الشيطان الذي يمس الإنسان بمثل هذه الهموم، وقد يتعداها إلى أكثر من ذلك فيصل إلى المس الجسدي كما قال ابن كثير:"ومنهم من فسره بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب ... وقد أورد الحافظ أبو بكر ابن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:: جاءت إمرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها طيف فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، فقال: (إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك) . فقالت: بل أصبر ولا حساب علي [4] " [5] ."
وإذا سلمنا أن الجن يمكنه أن يضر الإنسان بأكثر من الوسوسة فهل يمكنه أن يضره بالمس، أو أن يلبس جسم الإنسان كما يعبّر الناس عن ذلك، بحيث يحصل له اضطراب واختلال في حركته أو في عقله؟
(1) - سورة الأعراف، الآية 201.
(2) - إتحاف فضلاء البشر - للبنا - 295.
(3) - معارج التفكر - للميداني - ج 5 - ص 127.
(4) - وقد أخرجه الحاكم في مستدركه بنحوه وبنفس لفظة (طيف) عن أبي هريرة ج 4 - ص 243 ح 7511 وقال الذهبي في تلخيص المستدرك صحيح على شرط مسلم.
(5) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 6 - ص 495، 496.