فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 285

عراة بالليل، فكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، يعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرعه" [1] ."

أما المنكر فقد ورد مقترنًا بالفحشاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... } [2] .

والمنكر: من نكر: النون والكاف والراء أصلٌ صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكِر الشيء وأنكره لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه [3] .

وقد فسر الطبري الفحشاء والمنكر هنا بما ينسجم مع سياق الآيات والتي هي في حادثة الإفك فيقول:"يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا وإذاعتكموها فيهم، وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء - وهي الزنا - والمنكر من القول" [4] .

ويظهر لنا من كل ما سبق أن السوء والمنكر يتعانقان في معناهما الشامل لكل معصية وإثم يقع فيه الإنسان، غير أن السوء يكتسب اسمه من جهة العاصي بكون تلك المعصية تسوءه في دنياه وآخرته، والمنكر يكتسب اسمه من إنكار العقل والقلب والشرع له، أما الفحشاء فهي مرتبة أخص، وإن كانت تندرج في عموم السوء والمنكر، ولكنها تتميز بشدة سوئها، وبروز نكرانها، فلا تصل إلى درجة النكران فحسب بل تتعداها إلى الاستقباح، ولا تقف عند حد إلحاق الضرر فحسب، بل تتعداه إلى وقوع المفسدة العظيمة من جرائها، فتلك هي الغاية الأولى لإبليس وجنده في سعيهم إلى إفساد المجتمع المؤمن، وهذه الغاية في حد ذاتها خطوة كبرى إلى الغاية التي تليها وهي إيقاع متبعي الفحشاء والسوء والمنكر في الكفر بالله.

(1) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 6 - ص 281.

(2) - سورة النور، الآية 21.

(3) - معجم المقاييس في اللغة - لابن فارس - ص 1047

(4) - جامع البيان - للطبري - م 10 - ج 18 - ص 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت