فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 413

من الثابت أن اجتماع مجموعة غزة خلال احتلال القطاع، تمخض عن أكثر من فكرة بتشكيل حركة فلسطينية مستقلة. الجديد في الاجتماع يكمن، كما أشير، في نوعية الفكرة التي صدرت عن تحالف جمع في الواقع بين نشطاء حزبيين، وأن اتفاق هؤلاء على مواصلة العمل بعد زوال الاحتلال يعني عدم القناعة بالعمل من خلال الأطر والمؤسسات الحزبية الشائعة، هذا هو الإنجاز الأول. أما الإنجاز الثاني فقد يصل إلى حد القطيعة التنظيمية، على الأقل، مع الأطر الحزبية كهياكل عمل دون أن يعني قطيعة عقائدية بالرغم من أن هذا حصل. والأمر المثير للانتباه هو انتماء غالبية التحالف إلى جماعة «الإخوان المسلمين» ، وهذا ما سبب انقساما تنظيميًا في الجماعة على خلفية تأسيس حركة فلسطينية مستقلة، والواقع أن الانقسام وقع في وقت حرج كانت تمر به الجماعة إثر صدامات الجماعة الأم في مصر مع السلطة وحملات التنكيل والاعتقال التي تعرض لها أعضاءها وأنصارها فضلًا عن اغتيال مؤسس الجماعة ومرشدها الشيخ حسن البنا. والفقرات التالية تشتمل على أسس الخلاف وحله كما أوردها باحث مختص.

فقد رأت المجموعة «المنشقة» عن «الإخوان» أن تقوم الحركة الجديدة للشعب الفلسطيني كإطار فيه متسع لكافة الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم العقدية لاسيما وأن الجماعة لم تعد إطارًا قابلًا للعمل في ظل المطاردة المصرية لها في القطاع وما يروج ضدها من اتهامات تصفها بالرجعية والارتباط بجهات أجنبية، وأن مصلحة الشعب الفلسطيني تقضي بإزالة أسباب الصدام مع الأنظمة العربية أو الحزبية وفتح الباب أمام الجميع للمشاركة في العمل من أجل فلسطين ووضع القضية فوق كل الصراعات الأيدولوجية. وهذا يعني ضرورة الابتعاد عن الجماعة كإطار حزبي بل والتحرر من الحزبية والفكر الحزبي برمته. وقد مثلت مجموعة غزة وجهة النظر هذه التي كان يدعمها الأعضاء المؤسسون أينما وُجدوا فضلًا عن الأنصار. أما رأي الجماعة فكان يجمع على أن لا بديل عن الاستمرار في الولاء وتحمل كافة الأعباء والتضحيات المترتبة على ذلك حتى تقوم الجماعة بواجبها نحو تحرير فلسطين ويكتب لها النصر. وهذا يعني استمرار الصدام مع مصر فيما تصبح، تبعا لذلك، القضية الفلسطينية في درجة تالية. وقد أدى هذا الخلاف إلى تدخل الوساطات، من قبل أعضاء في الجماعة يحظون بثقة الطرفين على رأسهما أسعد الصفطاوي، أحد قادة الإخوان وعضو مجموعة غزة. وتم حسم الخلاف مبدئيًا بعرضه على أحد كبار رجال الجماعة في مصر ليفتي في المسألة فكان رده أن على الفلسطينيين أن يعملوا أولا لتحرير وطنهم من خلال تمسكهم بعقيدتهم الإسلامية وأنه لا يمكنهم لتحقيق ذلك الانتظار حتى تنتصر الدعوة الإسلامية [1] . إلا أن المشاكل ظلت قائمة حتى انطلاقة حركة «فتح» سنة 1965 وما بعدها حيث تميزت العلاقة بالعداء والاتهامات المتبادلة باستمرار بالرغم من احتفاظ الكثير من المؤسسين بولائهم للجماعة حتى وقت قريب.

لقد تمتعت مجموعة غزة بالأهمية التاريخية التي تستحقها في تأسيس حركة «فتح» لكونها تعيش في مجتمع صغير جدًا من حيث المساحة لكنه كثيف السكان وشديد الحيوية في المستوى السياسي والحزبي وعلى تماس

(1) أبو عمر و (زياد) .- أصول الحركات السياسية ... - مرجع سابق / ص 86 - 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت