آخرين كانوا حتى سنتي 1962/ 63 من التيارات الطلابية في ألمانيا وهم الذين جرى تصنيفهم، «نشطاء طلابيين» . ولدينا في الجدول عشرين عضوا ارتحلوا إلى دول الخليج للعمل هناك وثلثهم، تقريبًا، احتل مناصب إدارية رفيعة. وفي هذا الصدد يذكر صلاح خلف أنه وزملاءه في الكويت كانوا: «بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون في بلدان عربية أخرى بمثابة أصحاب امتيازات» [1] . وهكذا من الممكن إثبات بعض الملاحظات على الهوية الاجتماعية للحركة:
-إن «فتح» هي حركة انبثقت من شريحة المثقفين، وبالتحديد من الطلبة الجامعيين أكثر من غيرهم وبدرجة ثانية من خريجي الثانوية العامة الذين امتهنوا التدريس. وقد انعكست هذه التركيبة الثقافية على تكوين الخلايا وجذب الأعضاء الذين كانوا في الغالب من طلبة المدارس والجامعات. وظلت هذه السمات غالبة على البناء التنظيمي لحركة «فتح» حتى اندلاع معركة الكرامة سنة 1968 والتي أدخلت معها حشود العمال والفلاحين [2] من سكان المخيمات. ومع ذلك ظلت الشرائح المتعلمة والمثقفة حاضرة بصفة ملحوظة وفاعلة جدًا وإحدى السمات العامة للتركيب الاجتماعي لحركة «فتح» . ويعود هذا إلى فعالية الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي هيمنت على قيادته حركة «فتح» وظل يشكل رافدًا لها من مخزونه السنوي المتجدد من الطلبة الفلسطينيين في كافة أنحاء العالم.
وما هو جدير بالذكر أنه مع نهاية النصف الأول من السبعينات تَشَكَّل في حركة «فتح» وفي الثورة الفلسطينية عموما أول سرية عسكرية قوامها من الطلبة بقيادة سعد جرادات، وبعد مقتله تحولت السرية إلى «كتيبة الجرمق» ، وظلت الأشد تنظيمًا وفاعلية طوال عقد كامل، فترة الحياة التي عاشتها، ونجحت خلالها في تأطير عشرات القادة العسكريين والسياسيين والتنظيميين حتى غدت أمثولة الثورة ورأس حربة أينما حلت.
-في الإطار الاجتماعي العام ينتمي المؤسسون إلى الشريحة التي أخذت تتكون منذ مطلع الأربعينات (1942) لما أصبح التعليم يشكل الدينامية الاجتماعية الثانية بعد «الملكية» وتوجه الشرائح الميسورة نسبيًا نحو الاستثمار فيه، وليصبح الرأسمال الوحيد، غداة النكبة، لتحسين الأوضاع المعيشية، وكما فعلت من قبل، حافظت العائلات الراغبة في تعليم أبنائها على الإقامة في المدن أو بجوارها ونادرًا ما سكنت المخيمات. ولما كان التعليم الفلسطيني ذو سمات طبقية ومدينية فمن غير المستبعد ألا ينتج حركة ثورية بذات السمات. أي حركة حضرية وطبقية. وهكذا يصبح مفهومًا لماذا لم تتخذ «فتح» من الريف أو من المخيمات مقرا لها مثلما لم يتخذ أي من
(1) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق - ص 74.
(2) الخولي (لطفي) ، حوار: المقاومة ... كيف تفكر؟ ... - مرجع سابق - ص70. وفي سياق رده على سؤال يتعلق بطغيان الجانب العسكري على فعاليات"فتح"قال صلاح خلف:"لا يوجد في فتح عسكري محترف أو قائد عسكري. لا يوجد مقاتل في فتح في أي مستوى إلا وكان أصله جامعي أو مهندس أو مثقف وطني أو عامل". نفس المرجع.- ص67.