فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 413

فخسرت خبراتها وتجاربها وباتت حبيسة الموقف السياسي للنظرية. وفي المحصلة يبدو أننا إزاء عدمية معرفية خلَّفت، على المستوى العربي والفلسطيني، أضرارا بالغة ضربت في الصميم النضالات الفلسطينية والعربية على الرغم من توفر العديد من التجارب الثورية في التاريخين العربي والإسلامي ماضيا وحاضرا [1] . وما لدينا هو محاولة محدودة تحاول أن تقرر ما هو كائن وليس بناء نظريا.

ففي معاينته للعلاقة بين السلطة والثورة يتساءل أحد الباحثين عن ماهية الثورة؟ وكيف يمكن تحديد دلالاتها السياسية والاجتماعية بصورة موضوعية؟ فيلاحظ أنه ثمة سوء فهم وخلط في استعمال المفهوم كالخلط بين التغيير (الثوري) والتغيير الفوقي (الانقلاب) أو إطلاق صفة الثورة على أية إجراءات قانونية أو إدارية أو التعويل كثيرا على الأصول الطبقية لمن نهضوا بالتغيير واستولوا على السلطة ثم جاءت الأحداث عكسية والنتائج مخيبة للآمال تماما [2] . وفي واقع الأمر فإن الخلط أو سوء الفهم هذا، الذي تقع إثارته بين الحين والآخر، لا يبدو معرفيا بقدر ما يأتي استعمال المفهومين كانعكاس لواقع تاريخي قُدم فيه الانقلاب غالبا بوصفه ثورة على نظام بائد بقطع النظر عن مدى الشرعية التي يتحصن بها هذا النظام السياسي أو ذاك.

إلا أن هناك لبس معرفي آخر في بعض الكتابات يجري بموجبها اعتبار الثورات أو حركات التحرر أحد أشكال الحركات الاجتماعية، ولو كان الأمر كذلك لما برزت الحاجة إلى القلق من غياب التأصيل العلمي للمفاهيم بالنظر إلى الوفرة في الأدبيات المتعلقة بالحركات الاجتماعية. وها هو صاحب أقوى النظريات بهذا الخصوص يعقد في مقالة له مقارنة بين المفهومين مبينا الفرق بين الثورة والحركة الاجتماعية، فهذه الأخيرة تُعَّرف، حسب التراث الأوروبي، بأنها: «تعبير منظم عن صراع اجتماعي يحتل التوظيف الاجتماعي للموارد والمصالح الثقافية لب أهدافه على مستوى الاستثمار والمعرفة والأخلاق» . هذا التعريف، على غموضه الشديد، يجعل من الحركة الاجتماعية أبعد ما تكون عن حركة التحرر ناهيك عن الثورة التي يُنظر إليها على أنها حركة تنويرية حيث كل شيء يجري التفكير فيه من منظور القوانين التاريخية في حين أن الحركة الاجتماعية مفهوم يتعلق بالديمقراطية الاجتماعية حيث كل شيء يجري التفكير فيه من منظور العناصر الفاعلة في المجتمع [3] . غير أن «تورين» لم

(1) (في الواقع تم استبعاد شبه كامل للتراث الثوري التاريخي العربي والإسلامي، وكان السبب في ذلك صعود النظرية الثورية الماركسية اللينينية ونجاح الثورات الآسيوية خاصة في الصين وفيتنام وكوريا الشمالية ولاوس وكمبوديا، والأميركية اللاتينية خاصة كوبا. هذه النجاحات تمثلت بها الثورة الفلسطينية مثلما تمثل مقاتلوها برموز الكفاح الأممي أمثال الزعيم الفيتنامي"هوشي منّة"وجنراله الفذّ"جياب"و الزعيم الصيني"ماو تسي تونغ"والزعيم الكوري"كيم إيل سونغ"والزعيم الكوبي"فيدل كاسترو"ورفيق دربه"آرنستو تشي جيفارا"الذي تحول إلى أسطورة عالمية ملهمة للشباب المكافح.

(2) الحافظ (مهدي) : إشكالية العلاقة بين السلطة والثورة - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، لبنان - المستقبل العربي - العدد95 - يناير، كانون الثاني1987 / ص106،107.

(3) فيذرستون (مايك) ،إعداد.- ثقافة العولمة، القومية والعولمة والحداثة -المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة - الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية -بلا مكان للنشر - ترجمة، عبد الوهاب علوب -1998 - مقالة، ألن تورين: فكرة الثورة / ص128 - 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت