فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 413

يحدد في مقالته مكانة الحركة الاستعمارية فيما إذا كانت واقعة ضمن الحركات الاجتماعية أو الثورة وما إذا كانت أقرب إلى هذه أو تلك. وواقع الأمر أنها الاثنتين معا، فالحركة الاستعمارية هي محصلة لتراكم رأسمالي و «استثمار» خارج الحدود مثلما هي من منظور «القوانين التاريخية» حركة تنويرية قدمت نفسها كحامية للشعوب المتخلفة وأنها تسعى لتنميتها وتحديثها باعتبارها «أمانة مقدسة في عنق المدنية» كما ورد في صكوك الانتداب.

وإذا تمسكنا بمفهوم الثورة، ففي الدول الرأسمالية يُعرف التراث المعرفي لها بـ «علم اجتماع الثورة» . ومن وجهة نظر ابستيمولوجية فإن هذا العلم لم ينوجد إلا على خلفية الثورات القومية التي وقعت في البلدان الرأسمالية وما قبل الرأسمالية ابتداء من الثورة الأمريكية (1875) وانتهاء بالثورة الصينية (1949) . وفعليا ما كان لهذا العلم أن يزدهر إلا على خلفية انتصار الثورة البلشفية في روسيا (1917) ، ومن ثم ظهور الاتحاد السوفياتي. لذا كان العلماء والمفكرون الليبراليون هم سادة هذا العلم الذي خُصِّص الجزء الأعظم من منتجاته المعرفية ضد الأيديولوجية الماركسية التي باتت العدو الأول للأيديولوجية الرأسمالية. المهم في الأمر أن الثورة كمفهوم وواقعة باتت حبيسة هاتين الأيديولوجيتين من جهة، وليست إلا صنيعة تلك الدول أو المجتمعات النافذة التي استطاعت أن تؤثر في مجريات التاريخ الإنساني المعاصر والعلاقات الدولية من جهة ثانية [1] .أما الثورات الأخرى- حسب هذا الفهم- فمن المؤكد أنها ستصنف خارج نطاق اهتمام علم اجتماع الثورة. بيد أن المسألة ليست بهذه السهولة أو تلك؛ فرواد هذا العلم يرفضون الثورة رفضا قاطعا. ومن بين عديد المؤلفات التي تناولت الموضوع يمكن لنا أن نستعين بمؤلَّف «يوري كرازين» الذي يعج بعشرات التعريفات [2] ، وسنلاحظ أنه، فيما عدا وجهة النظر الماركسية

(1) هذه الثورات هي: الثورة الإنجليزية (1660) التي انطوت على حدث فريد تمثل بمحاكمة الملوك وإعدامهم بواسطة عامة الشعب. والثورة الأميركية (1775) التي استنت قاعدة جديدة في العلاقة بين الحكام والشعوب"لا ضرائب بلا تمثيل"، أي لا واجبات على المواطن حيال الدولة بلا حقوق. والثورة الفرنسية (1879) التي جاءت بميثاق حقوق الإنسان والمواطن والذي أصبح ميثاقا عالميا. والثورة الشيوعية في روسيا (1917) التي شددت على أن المساواة السياسية بمعزل عن المساواة في فرص الحياة تعني أنها مجرد حق. والثورة الصينية (1949) التي قدمت فئات الفلاحين كرواد للنضال والحرب الشعبية طويلة الأمد. راجع: الكيالي (عبد الوهاب) ، مؤسس/نعمة (ماجد) ، مدير تحرير.- موسوعة السياسة (هجائية) - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت، لبنان - سبعة أجزاء، وما زالت مستمرة في التنقيح ومواكبة الأحداث - الجزء الأول - الطبعة الأولى،1986. وكذلك: مجموعة باحثين.- مصر والعروبة وثورة يوليو- مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، لبنان - سلسلة كتب المستقبل العربي3 - الطبعة الأولى، تشرين الثاني/نوفمبر1982 - مقالة، سعد الدين إبراهيم: ثورة يوليو وإعادة تفسير التاريخ- ص8.

(2) كرازين (يوري) .- علم اجتماع الثورة (سوسيولوجيا الثورة) : نظرة ماركسية - الثقافة الجديدة - القاهرة، جمهورية مصر العربية - ترجمة: شوقي جلال-1974. ومن الآن فصاعدا سنُعَرِّف بالمرجع باسمه"علم جتماع الثورة"كلما لزم الأمر. أما التعريفات المقتبسة فسنكتفي بذكر رقم الصفحة أو الهامش أو كليهما بجانبها. ومن التعريفات التي تهتم بالجوانب الدستورية تلك التي ترفض الثورة بحجة المساس بالشرعية. ومن بين هؤلاء كرين برينتون Crane Brinton""صاحب كتاب"تشريح الثورة"الأشهر من بين الكتب الغربية، فالثورة بالنسبة له:"محاولة خارجة عن القانون تتسم عادة بالعنف لتغيير الحكومة القائمة (ص27) "، ونهايتها الفشل بما أنها ستنتهي بـ"الرِّدة". أي إلى مرحلة ما قبل الثورة". أما بيتر أمان"Peter Amann"فيقول عنها:"يمكن وصفها بأنها انهيار، لحظي أو على مدى طويل، لاحتكار الدولة للسلطة، وتكون مصحوبة عادة بتخفيف لقيود عادة الخضوع والطاعة (ص 27) ". ويقدمها ب. شريكر"P Schrecker"على أنها"تغيير غير مشروع للظروف المشروعة (ص 27) ". وعند كارل فريدريك"Carl Fredreck"عنيفة الطابع؛ فهي"الإطاحة بصورة عنيفة وفجائية بنظام سياسي مستقر (ص27،هامش1) ". وخلافا لذلك يرى ل. ب إدوارد"L.p Edward"في الثورة"تغيير لا يحدث بالضرورة عن طريق القوة والعنف وإن كان يحل نظام جديد محل نظام آخر كان مشروعا (ص27،هامش1) "."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت